آراء وكتابهام

ليث كمال نصراوين يكتب : رقابة النواب على الإصدارات الثقافية

الحياة نيوز ـ بقلم أ. د. ليث كمال نصراوين ـ تتسارع الأحداث المرتبطة بقضية رواية “ميرا”، التي قامت وزارة الثقافة بإعادة نشرها ضمن برنامج مكتبة الأسرة الذي تنفذه، حيث تتسابق السلطتان التشريعية والتنفيذية في احتواء هذا الأمر والتعامل معه كل ضمن اختصاصه الدستوري، وذلك بهدف إرسال رسالة واضحة إلى الرأي العام بأن الثوابت الأردنية مصونة لا يمكن المساس بها أو المساومة عليها.

وقد جاء الرد الحكومي على شكل توجيهات من رئيسها إلى وزيرة الثقافة بضرورة مراجعة جميع الروايات والأعمال الأدبية التي تدعم الوزارة إصدارها، وسحب تلك الإصدارات التي لا تتوافق مع قيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده. وبالفعل، قامت الوزيرة وعلى عجل بتشكيل لجنة خاصة لهذه الغاية، وألزمتها بتقديم تقريرها النهائي خلال مدة زمنية قصيرة.

بدوره حاول مجلس النواب أن يفرض نفسه طرفا مؤثرا في هذه القضية، فقرر أعضاؤه إحالة الموضوع إلى لجنة التوجيه الوطني والإعلام والثقافة، وذلك للتحقيق في هذا الأمر وتقديم التوصيات المناسبة بشأنه.

وقد يكون العنصر الإيجابي في هذا القرار النيابي تفعيل هذه اللجنة الدائمة التي قلما يتم إحالة أية أمور أو قضايا إليها؛ فهي ليست من اللجان التي لها حضور وتواجد في العمل البرلماني. كما لفت هذا القرار الأنظار إلى اختصاص هذه اللجنة كما جاء في المادة (45) من النظام الداخلي لمجلس النواب، والذي يشمل “دراسة القوانين والأمور والاقتراحات التي تتعلق بالإعلام والمطبوعات والنشر والصحافة والوعظ والإرشاد والأوقاف والثقافة”.

ويبقى التساؤل الأبرز حول ماهية التوصيات والمقترحات التي يمكن لهذه اللجنة النيابية أن تقدمها في ظل تصدر السلطة التنفيذية المشهد وفرضها حلولا جذرية وسريعة، أهمها سحب الرواية المعنية من الأسواق، ومراجعة كافة إصدارات وزارة الثقافة، مع المقترحات النهائية التي سيجري حتما تضيمنها التقارير النهائية، والتي ستتمثل بتشديد الرقابة على الأعمال المستقبلية التي ستتبنى الوزارة إصدارها. فهذه الأعمال والقرارات الحكومية ستصدر جميعها ويتم تنفيذها، حتى قبل أن تعقد اللجنة النيابية الدائمة اجتماعها الأول.

ويبقى السبب الرئيسي في اختيار لجنة التوجيه الوطني والإعلام والثقافة للتحقيق في قضية الرواية المنشورة، ورود كلمة “الثقافة” في المادة (45) من النظام الداخلي التي تحدد اختصاصها. فقد اعتبر مجلس النواب أن الرواية بما تضمنته من خروج عن المألوف الوطني والديني من الأمور ذات الصلة بالثقافة، وذلك لغايات اسناد مهمة متابعتها لهذه اللجنة النيابية الدائمة.

إلا أن المشكلة الدستورية تكمن في أن لجنة التوجيه الوطني والإعلام والثقافة قد جرى مراجعة اختصاصاتها والمهام المسندة إليها في مشروع النظام المعدل للنظام الداخلي لمجلس النواب، والذي تقرر إرساله إلى اللجنة القانونية المختصة في شهر شباط الماضي. ففي ضوء نفاذ التعديلات الدستورية لعام 2022، قام مجلس النواب باقترح تعديلات جوهرية على نظامه الداخلي لتتوافق أحكامه من النصوص الدستورية المعدلة والمستحدثة.

ومن ضمن التعديلات التي اقترحها مجلس النواب في مشروع النظام المعدل زيادة عدد اللجان النيابية الدائمة وإعادة النظر في اختصاصات العديد منها. ففيما يتعلق بلجنة التوجيه الوطني والإعلام والثقافة، فإن مقترح النظام المعدل قد أزال الشؤون الثقافية من نطاق أعمالها، وأسنده إلى لجنة التربية والتعليم والثقافة، والتي يتمثل اختصاصها الجديد المقترح “بدراسة القوانين والأمور والاقتراحات التي تتعلق بالتربية والتعليم والتعليم العالي والبحث العلمي والثقافة وما في حكمها”.

وعليه، فإن أي تحقيق أو عمل نيابي – إن تم – من قبل لجنة التوجيه الوطني والإعلام والثقافة بخصوص قضية الرواية المنشورة سيصطدم بالمقترحات التشريعية الجديدة في النظام الداخلي لمجلس النواب، حيث سيتعين على هذه اللجنة أن تحيل الموضوع إلى اللجنة المختصة في المسائل الثقافية بعد إقرار النظام المعدل، والتي بدورها لن تكون ملزمة بما ستقوم به اللجنة الحالية من أعمال وإجراءات في هذه القضية.

لذا، فإن تأخر مجلس النواب في إقرار التعديلات الوجوبية على نظامه الداخلي، والتي يمتد نطاقها خارج إطار تكريس التعديلات الدستورية لعام 2022 إلى مراجعة مهام واختصاصات لجانه الدائمة، سيتسبب في حالة من اللاوضوح في الآلية التي سيمارس فيها المجلس عمله في الدورة الحالية وما تبقى له من دورات في عمره الدستوري، وذلك على مستوى مباشرته لمهامه التشريعية والرقابية من خلال لجانه النيابية الدائمة.

أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى