آراء وكتاب

قشوع يكتب : العولمة والهوية

الحياة نيوز ـ بقلم د. حازم قشوع ـ مخطىء من يظن ان العولمة هي رؤية يراد تحقيقها او انها منظومة عمل يرغب بترسيمها لان العولمة باتت برنامج عمل نعيشه ولا يمكن ايجاد روادع للحيولة دون تطبيقه فلقد اصبحت البشرية تحتكم لنصوص ليست منصوصة في الكتب لكنها مصدر احتكام على ارض الواقع، فالعالم الافتراضي باتت جزءً من العالم الوجاهي ولا يمكن فصله بقوانين او انظمة تقليدية واخذ يؤثر على المجتمعات اسقاطاته الثقافية تاثيرا مباشرا ويصعب على المجتمعات رفضه او الابتعاد عنه او حتى ايجاد نظام يراعي خصوصية الهوية وهي ملخص الصورة الحقيقية للواقع الذي نعيش.

إن السيادة بشرعيتها التي كانت تقوم على الذاتية وخصوصية المجتمعات وشكلت نموذج وعنوان الهوية اخذت تتشكل من فضاءات تشاركية محمولة من اعلى وليست ناتجة من شرعية ذاتية دنيا، وغدت مضامينها ناتجة من واقع خلطة تشاركية ثقافية تشكل جملة النفوذ الامني والسياسي للانظمة وهذا يمكن مشاهدته من الاتجاهات السائدة في الحرب الاوكرانية، وكما ان محاولات اصحاب الفكر النير تغيير محتوى التوجه من برنامج عمل يقوم على (العولمة) الى اخر يقوم على (العالمية)، في محاولة منهم للابقاء على الهوية الوطنية وخصوصيتها ويصبح الاطار الناظم يقوم على تعددية الهوية الحضارية، لكن هذه المجهودات المحمودة اخفقت بتحويل نظرية العولمة وتحويلها للعالمية نتيجة قوة تيار العولمة السائد الذي رفض العرقية في موطنها حيث امريكا وبريطانيا واخذت ترضخ هذه المجتمعات لتيار العولمة الجارف الذي اتخذت من المواطنة التشاركية عنوان للنهوض في اطار المرجعية الحاكمة التي تقوم على التأهيل الاستراتيجي وشرعية الانجاز التنموي .

في حين لم يبقَ من العالمية الا الاجتماع السنوي للجمعية العامة للامم المتحدة وتجمع المونديال الكروي الذي ما زال يأخذ بالهوية الوطنية ويحترم خصوصيتها (كل اربع سنوات)، بينما بات المناخ الأعم في ميادين التنافس الرياضي تشكله النادوية للمدينة وتقوم فضاءات العولمة مناخاتها بأبعاد مسألة الهوية الخصوصية الوطنية المجتمعات ودعم المناطقية.

وهذا ما يمكن مشاهدته من طبيعة الاستثمارات التي تقدم للمدينة على حساب الهوية الوطنية التي باتت تقبع في منزلة أدنى من الاهتمام ولم يبقَ لها روافع تحملها سوى الوازع القيمي تاذي بات غير قادر وحده على حملها نتيجة ارتفاع منسوب الهوية الفرعية عن الهوية الوطنية التي باتت تتلاشى في نظام العولمة السائد الذي اخذ بدوره العمل على تشكيل ثقافة متوافق عليها ولغة تتكون من على ارضية مدمجة ومشروعية حواضن تقوم على الانجاز وشرعية احكام تبتعد عن الاصول المتوارثة وترسي احكام حداثية في الطابع والمضمون .

حتى ان طبيعة العمل المطلوبة في ظل نظام العولمة بدأت بتقديم الحرفة المهنية عن المهنة الاكاديمية نتيجة توفر المعلومة المعرفية بطريقة سهلة، وبات من يمتلك حرفة بالمفهوم التقني يستطيع العمل في كل المساقات بينما من يمتلك مهنة بالمضمون الاكاديمي يقف على سلم الانتظار، وهذا ما يشكل ثورة في مجال الموارد البشرية ويعتبر تغييرا منهجيا كونه يطال عملية الاعداد والتأهيل وكيفية اختيار مسارات العمل ومساقات التدريب .

اللاعب الجيد ضمن السياق الحالي بات اغلى في القيمة السوقية من الطيب النابغة والفنان المبدع هو اشهر في فضاءات العولمة من الحاكم السياسي، واصبح التاجر الناجح يمتلك نفوذا اكثر من جيوش تمتلك القوة، وهذا ما يمكن مشاهدته بظاهرة ايلون ماسك عندما استحوذ على “نور لينك” او خاصية ربط العقل البشري في مخزون الجوجل وهو ما جعل من الاحكام السائدة تقف للحيلولة دون تنفيذ مشروعه وبرنامج عمله لحين ايجاد ضوابط العمل الخاصة بذلك، لكن ماسك مازال يمتلك نفوذا في الحواضن السياسية الامريكية نتيجة امتلاكه لتويتر بسياستها الجديدة، وهذا ما يمكن رؤيته ايضا في حاضنة الملك تشارز الثالث ووريث عرشه الامير وليام في مسألة فواصل الاجيال التي بدأ الحديث حولها بعد دخول روتشلد ومورغان لفضاءات موضوع عملية التعميد الملكي والتلويح بمسألة القيمة السوقية للجنيه الاسترليني وابراز قضية التحدي المباشر لمنظومة اليورو والكومونويلث الامر الذي يجعل من مفهوم العالمية محط تهديد لصالح منظومة العولمة التي يبدو انها اصبحت قيد التنفيذ مع موافقة الرئيس بايدن وماكرون عليها في اللقاء الاخير الذي جمعهم في واشنطن، على حد تعبير بعض المتابعين .

ولحين ترجمة ما يتم الاستخلاصه واعتماده باعطاء إذن تنفيذه فعلى المجتمعات المستهدفة التي مازلت تقبع في ميزان المجتمعات النامية ذات الجغرافيا الواسعة والديموغرافيا الكثيرة استدراك المعطى القادم عبر ايجاد علامة فارقة تميز حضورها في اطار العولمة بسمة تنموية او علامة معرفية تميزها عن غيرها فتشكل لها اضافة حضور والابتعاد عن سياسة التسلح غير المجدية، كما يصيف ذلك بعص المتابعين .

فالمجتمع الذي لن يحوي علامة فارقة تجعله موطنا تنمويا ويشكل علامة تميز تأهيلية لن يأخذ بطاقة الحضور في تيار العولمة السائدة فالهوية التي جاءت بعد الحرب العالمية الاولى لغايات تحديد النفوذ من على مقاييس وطنية مصطنعة لن تكون موجودة في عصر الحالي مهما حاولت انظمتها المقاومة في ظل تيار العولمة السائدة وهي الجملة الخبرية التي تم اعتمادها كعنوان عريض مستخلص من اروقة التغذية الراجعة من قمة بالي لبيت القرار .

وهذا ما سيشكل عنوانا عريضا لمعركة بقاء الهوية في ظل تيار العولمة بعد عملية الفصل التي يتم تنفيذها بين الانظمة السياسية والاطر الامنية عبر نظم تشاركية اخذت ما تشكل مرجعية للقرار السياسي على عكس ما كان عليه الحال في السابق، فلقد اصبحت بواطن الحواض تشكل مرجعية لظاهر الانظمة السياسية وهو مستجد يستحق الوقوف عنده ودراسة تاثير انعكاسه على واقع القضايا الاقليمية والمركزية في المنطقة والاقليم من واقع مسألة تأثير العولمة ذات المدخل الامني على مضمون الهوية بالطابع السياسي .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى