آراء وكتابهام

أسعار الفوائد والاقتصادات الهشَّة

د. جواد العناني

قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) برفع أسعار الفائدة للمرّة الرابعة، وبنقاط الأساس نفسها (0.75%) وللمرة السادسة خلال العام الجاري 2022، سوف يؤدي إلى مضاعفة الأعباء المالية على الدول النامية، من زاويتي الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي.

ولقد أدّى ارتفاع معدلات التضخّم في الولايات المتحدة وأوروبا إلى اتخاذهما خطوات تصحيحية، تمثلت في رفع أسعار الفائدة على عملاتهما الدولار واليورو، وزيادة التقشف في الإنفاق العام، وتأزيم العسرة النقدية بهدف تقليل الإنفاق الخاص أيضاً.

وقد حدثت قفزة معدل التضخم في العديد من دول وأسواق العالم، كما تزعم التقارير الدولية، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة من ناحية، وبخاصة الغاز الطبيعي، وبسبب التقطّع الذي حصل على نظام التزويد العالمي (سلاسل الإمدادات).

وهذا صحيحٌ إلى حد كبير في حالة التشويش التي حصلت على نظم التزويد وسلاسل الإمدادات، ولكنه موضع تساؤل في حالة النفط، فأسعار الخام الأسود لم تصل إلى الذروة التي وصلت إليها خلال الفترة من العام 2011 وحتى 2014 حيث تخطّت أسعار برميل النفط داخل الولايات المتحدة حاجز التسعين دولاراً، ووصلت إلى ما يقارب 117 دولاراً للبرميل.

ولم تحصل قفزة في معدل التضخّم في تلك الفترة، ولا رفعت الولايات المتحدة أسعار الفوائد على الدولار لمكافحة التضخم الذي لم يتعد في أسوأ حالاته حاجز نسبة الـ2%، ولم يزد معدّل سعر الفائدة على إعادة الحسم الصفر إلا بقدر قليل تراوح بين 0.5-1.5%؜ على أسوأ الأحوال.

ولو نظرنا للفترة من 2018 وحتى 2020، فإن سعر النفط تراوح بين 60-40 دولاراً للبرميل، وبفعل المضاربة وقلة الطلب، هبط سعر النفط في الأسواق الدولية في حالات قليلة، ولكن دراماتيكية إلى دون الصفر كما حدث في بعض الأيام في النصف الأول من عام 2020، أي أن بعض البائعين كانوا مستعدّين لدفع مبلغ للمشتري إن أبدى رغبة بالشراء.

ولذلك، لم يكن ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية بداية من النصف الثاني من عام 2021 أمرا متوقّعا، لأن المنتجين واجهوا ظروف طلب صعبة إبّان تفشي وباء كورونا، وبشكل خاص بعد اندلاع الحرب الأوكرانية في 24 فبراير/ شباط 2022.

وفي تقديري أن الحرب الروسية على أوكرانيا لم تكن لتُحدِث فائضاً في الطلب على النفط لولا الحصار الغربي الذي ضرب على روسيا والعقوبات الاقتصادية المفروضة على الاقتصاد الروسي، وقطع روسيا، في المقابل، إمدادات الغاز الطبيعي عن أوروبا.

أما السبب الثاني لارتفاع الأسعار وقفزة التضخم الحالية، فهو الدولارات والمساعدات النقدية التي أقرّها الكونغرس الأميركي بناء على طلب الرئيس جو بايدن، من أجل أن يرفع المعونات للأسر الفقيرة ويقلّل من عبء الديون على الطلاب، ويحسّن من مستوى أداء البنية التحتية في الولايات المتحدة.

وقد أدّت زيادة عرض السيولة النقدية من الدولارات في الأسواق إلى تسرّب جزء كبير من تلك الأموال إلى عمّال أميركيين عاطلين من العمل بسبب تفشي وباء كورونا. ولمّا حوصرت كورونا، وفتحت الأسواق، سارع الناس إلى إنفاق تلك الأموال المكتنزة لديهم، وازداد الإقبال على الأسواق والسلع والخدمات، ما أوجد طلباً عالياً على المهن البسيطة.

ولكن الإقبال عليها لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، لأن رواتب هذه الوظائف تكاد تساوي المساعدات النقدية التي تقدّم لهم وهم عاطلون من العمل.

وهكذا تضافر الفائض في سوق النقد، والعجز في العرض داخل سوق السلع والخدمات، ونقص العمالة في سوق العمل، لتُحدِث ضغوطاً تضخمية بات يُخشى منها على تراجع قيمة الدولار وهيبته.

ولذلك، رفعت الولايات المتحدة سعر الفائدة على الدولار ست مرات خلال العام الجاري ليس لمكافحة التضخّم الجامح داخلياً والذي بلغ أعلى مستوى له في أربعة عقود، ولكن من أجل الحفاظ على سعر صرف مرتفع له حيال عملات الدول الأخرى.

أما تقطّع سلاسل وإمدادات التزويد، فقد نشأ عن أن الصين استمرّت في تطبيق سياسات ضاعفت من أزمة الشحن البحري والجوي فيها وبين دول العالم، وذلك لأنها أكّدت على “تصفير” حالات كورونا، والتمسّك بسياسات الحجْر (Quarantine) للواصلين إلى مطاراتها ومعابرها البرّية والبحرية.

إذن، الحرب بين الكبار (الصين وروسيا والولايات المتحدة) وحرب العملات، والحرب التجارية، وتسخين المواجهات في البحر والجو داخل المحيط الهادئ، هي التي جعلت صندوق النقد الدولي يخفّض توقعات النمو العالمي من 6.6% عام 2021 إلى حوالي 3.2% للعام 2022، وأعيد تقدير معدل النمو هذا أربع مرات خلال عام 2022 بنسبٍ أقل كل مرة.

والآن، تصب الولايات المتحدة اهتمامها في عملية التصحيح للاقتصاد الوطني على رفع أسعار الفوائد على العملة الدولية (الدولار)، والتي تؤثر على كل اقتصادات الدول الأخرى. والتي لا تملك بدورها القرار للتحكّم في السياسات النقدية المؤثرة على سعر الدولار.

وهذا التباين بين من يتحكّم في سعر صرف الدولار ومن يتعامل به من دول العالم الأخرى وضع دولا نامية كثيرة في أزمة اقتصادية خانقة.

رفع أسعار الفوائد على الدولار وغيره من العملات الرئيسية يعني زيادة عبء المديونية، وارتفاع كلف الاستثمار، وتضييق فرص الاستهلاك، وتعريض كثير من شركات متوسطة الحجم والصغيرة إلى الإفلاس، أو تراجع الأرباح والمبيعات بشكل كبير، وهكذا يزداد الفقراء فقراً.

إن مصيدة 22 أو catch-22 أن الدول إن قبلت بالحدّ من التضخم عانت من البطالة، وإن أرادت الحد من البطالة عانت من ارتفاع التضخّم الذي يسرق من الفقراء ليعطي للأغنياء. هنالك أكثر من 38 دولة نامية تعاني الآن بشكل واضح من أزمة مديونية حادة، ولربما تعجز عن سداد ديونها.

(العربي الجديد)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى