آراء وكتابهام

في نابلس اختاروا من الختام مسكه

الحياة نيوز – نيفين عبد الهادي

من جديد اختار خمسة شباب من نابلس وسادس من رام الله من الختام مسكه، فقدّموا أرواحهم فداء للوطن وللحرية، ابتعدوا عن كلّ ما يمكن أن تتناقله الألسن من بطولات ونضال، فاقتربوا بأجسادهم وأرواحهم نحو الانتصار الحقيقي الذي لا يكون سوى بالمواجهة، ليكونوا «أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»، فهو الدرب الذي يرون به حياتهم ومجدهم في السماء والأرض.

لم يكن يوم مدينة نابلس الفلسطينية أمس يوما عاديا، فقد اروت شوارع نابلس وأزقتها بدماء خمسة شبان، خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي المدينة، وتحديدا بعد منتصف ليل الإثنين الثلاثاء، فيما أصيب أكثر من 21 شخصا في اشتباك مسلح دار بين جنود الاحتلال والشبان الفلسطينيين الذين حاولوا صد العدوان على المدينة، كما استشهد في ذات الأثناء شاب فلسطيني أصيب برصاص الاحتلال الحي في الصدر، في مواجهات اندلعت في قرية النبي صالح شمال رام الله، وذلك خلال قمع الاحتلال لمسيرة خرجت تضامنا مع نابلس، مستخدما الرصاص الحي والمعدني وقنابل الغاز المسيل للدموع.

عن شهداء نابلس، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية إن شهداء العدوان الإسرائيلي على نابلس فجر أمس هم حمدي صبيح رمزي قيم (30 عاما)، وعلي خالد عمر عنتر (26 عاما)، وحمدي محمد صبري حامد شرف (35 عاما)، ووديع صبيح حوح (31 عاما)، ومشعل زاهي أحمد بغدادي (27 عاما)، صعدت أرواحهم تاركة في أعناقنا جميعا أمانة تحرير فلسطين فلم يبق له شيء بعد أرواحهم وأجسادهم ليقدموها فداء للوطن، لتبقى أمانة التحرير والحرية بأعناق من ما تزال أنفاسهم فوق الأرض، فقد ذهبوا في درب أوله نور وآخره مجد، لتبقى القضية تنتظر العدالة بعودة الحق لأصحابه، وتحقيق سلام حقيق عادل وشامل يحمي صاحب حقّ طال انتظاره ليناله أو حتى ينال جزء منه.

نابلس، لهذه المدينة عشق في قلبي فهي المدينة العريقة التي ولد بها والدي وجدي وأغلب أفراد أسرتي، هذه المدينة التي ما زلت أعشق الياسمين كونها مدينة الياسمين، مدينة لا أجد بجمالها مدينة على هذه المعمورة، تاريخها يسبق اسرائيل واحتلالها بآلاف السنين، بيوتها العريقة وقصور عائلاتها، تحكي تفاصيل تاريخ لا يمكن لإسرائيل أن تصنع مثيلا له، أو تدرك أهميته، ففي كل بيت وقصر من قصورها ملايين الاثباتات بأنها تاريخ كامل، لا يمكن سرقته ولا طمسه، نابلس ودّعت أمس شهداءها الخمسة على عهد بأن تقدّم كل أبنائها فداء للوطن، فهم لم يكونوا أول خمسة شهداء وحتما لن يكونوا آخرهم، ففي صمودها ثبات يستند على أن لأصحاب الأرض حقا لن يتنازلوا عليه.

هي جبل النار، وستبقى، قدّمت وتقدّم وستقدّم شهداء، اكتست أمس باللون الأسود، لكنها ستزيّن دربها بالياسمين النابلسي على مدى القادم من الأيام والسنين، بكت أبناءها الخمسة، وستبكيهم مدى الدهر، لكنها زفّتهم في عرس الحرية والكرامة والنضال، فلم يبق في نابلس أمس أحد في منزله خرجوا في عرس شهدائهم الخمسة، يؤكدون أن التحرير قادم، والظلم سينتهي، وأنهم ماضون على ذات الدرب، إمّا الشهادة أو التحرير، فلا حلول أخرى بحياتهم، فنامت نابلس وعيونها تملؤها دموع الحزن، لتصبح على وطن لن تخذله حتى ينال حريته.

وعلى اسرائيل كما أكد الأردن أمس في بيان وزارة الخارجية أن توقف كل عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين وجميع إجراءاتها التي وصفها بيان الخارجية «اللاشرعية» التي تقوّض حل الدولتين وفرص تحقيق السلام، وكذلك على المجتمع الدولي «وفق ذات البيان» أن يتحرك فورا لتوفير الحماية للفلسطينيين، واطلاق جهد حقيقي لتحقيق السلام العادل.

لتعذرنا نابلس وفلسطين، ففي ردات فعلنا ضعف وقصور، لكن ما يمكن قوله أن نامي نابلس وفلسطين بهدوء وطمأنينة، فغدكم الذي تصنعه شهادة أبنائكم حتما ينبض بالحرية.

(الدستور)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى