الرئيسيةزاوية المؤسس

عاجل أردنيٌّ من المهجر

الحياة نيوز ـ بقلم ضيغم خريسات ـ
الى ابناء البلد والوطن الأول الذي وُلدّت فيه وفتّحت عيوني فيه على دموع وعيون امي ومداعبات ابي الذي كان يعود الى البيت يُحضر الينا ما استطاع من قوتنا مرتديا البورية والشعار والفوتيك والعرق يتصبّب من جبينه مُبتسماً لنا فكنا نلتفّ حوله وحول أمي ننتظر حديثه الشّيّق عن العسكرية والجيش ليزرع فينا حب الوطن انتماء وولاءا للوطن والنظام.
ذلك هو ابي الذي رحل بغضمة عين لنتقاسم ارث ذلك الأردني العظيم ابتداء من البورية والقايش والفوتيك .. الذي لم يتطلّخ يوما بالفساد لكنه تلطّخ بتراب القدس والكرامة يدافع عن ثرى الوطن .
رحل أبي دون أن يسألنا عن حال دنيانا بعد وفاته.. تركنا وحدنا مع والدتنا في وصاياه الوطنية والميادين والقيم وهو لايعرف انها مجرد حكايات في زمن غير زمانه .
وفي آخرالشهر تذهب امي لقبض راتبه التقاعدي الذي لا يتجاوز بضع مئات من الدنانيرتكاد أن تنتهي في الاسبوع الأول من الشهر ليذهب اشقائي الى دكان أبو الفهد ومخبز ابو محمود لاستدانة الخبز والسكر والشاي وغيرها من مستلزمات البيت والسكن الذي يأوينا.
كبرت وكبرت معي طموحات واحلام وطن كان يحدثني ذلك النائم في قبره تحت التراب واستذكر كلامه اليوم لا تهجر وطنك يا ولدي هذا الذي تحت ترابه أجدادك وأجداد أجدادك لكني هجرته ورحلت عنه لأقول له رحمك الله يا والدي فكل ما كنت تقوله لنا لم نراه.
فلم نستطيع يا والدي أن نحصل على وظيفة لي ولشقيقاتي .. ولم نستطيع أن نشتري علبة دواء مفقودة من مستشفيات الحكومة لوالدتي المُقعدة التي أشقتها الحياة.
هل تلك المبادئ والقيم التي تربيّنا أطعمتنا قوت يومنا وهل أوجدت وظيفة لتسدّ بها رمق الحياة.
نعم يا والدي نعم يا والدتي نعم ايها الأشقاء والشقيقات نعم أيها الجيران وابناء بلدي وجدت وطنا آخر ليس فيه لي جدّ أو اب أو أم أو أصدقاء.
لكني وجدت فيه وظيفة وحرية وعدالة وجدت فيه خدمات لم أكن أراها في حياتي وجدت أناسا يختلفون عنا كلّهم بعمله وبيته .. هناك ينتمون الى وطنهم لا يرمون ورقة في الشارع أو قمعة سيجارة يجدون دواءهم وعلاجهم .. ووظائف تبحث عنهم ولا يبحثون عنها.. وجدت بلادا فيها شعبا منتجا ومعطاء . يغلقون المطاعم والمقاهي قبل العشاء .. نعم هناك رايت عالما لا يعيش على التقليد الأعمى “والكوفي شوبات” وسهرات الليل .. ولم أجد شبانا أو بناتا يسيرون في الشوارع في الليل شتّان ما بين هنا وهناك.
فلا باص سريع ولا أزمات مرورية خانقة ولا أحد ينزل بالبراشوت ليصبح مسؤولا عن الايتام أو الفقراء.
ولا ابن مسؤول مُترف يقطع الإشارة الضوئية الحمراء فالوزير والمواطن حالة مقارنة تستحق النّظر.
هجرت بلادي وآمنت أن الارض والسماء يملكها واحد هو الله عزّت قدرته لأن الوطن الحقيقي هو من يمنحك أن تكون مواطن فيه وليس الوطن ذلك الذي تجد فيه نفسك بلا حرية أو حقوق أو حياة كريمة.
ولم احد هناك باسم ولا وليد او طيار او مستوزر.
ولا محاسب يقود قطار او مسؤول يحول مؤسسات الدولة الى مزرعة له ولاهله وعائلته.
اما صديقي الذي يبكي هناك يتمنى تاشيرة للقدوم الي فاقول له ان بقاع الارض وطن لك اذا وجدت فيه نفسك ورزقك وحريتك بعيدا عن الكذب والنفاق لإنك لن تجد هناك ولائم تقام من لحم الفقراء لاطعام الاغنياء لكنك ستجد العدالة طريق لمستقبل بلادهم لا يطعنون العدالة بخناجرهم ويقيمون عليها موائد على شرف اللصوص والفاسدين

فنم يا والدي في قبرك
حتى لاترى الفئران التي تحولت الى جرادين تتنمر على عباد الله
لتصلك مني كل يوم ألف رحمة عليك وعلى كل من تركوا لنا مبادئ الوطنية.
والله من وراء القصد.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى