آراء وكتابهام

مسيحيو الشرق وإسهاماتهم الحضارية.. ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً

الحياة نيوز – الاب رفعت بدر

دعاني منتدى الفكر العربي الرائد للحديث عن مسيحيي الشرق واسهاماتهم الحضارية، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ولم يكن سهلا اختزال هذا الاسهام الدائم والمستمر، بدقائق قليلة، لكنّها كانت مناسبة لإبداء وجهة نظر، وبالأخص في ظل «المخاوف» التي يضعها المحللون على المستقبل. فقد بتنا نسمع أحيانا عن «قضية» مسيحيي الشرق، وبالأخص بعد تعرّض الكثير منهم لأعمال تضييق وخناق وتهجير قسري، كما جرى مع مسيحي الموصل في الأمس القريب… ودون أن ننسى ما للاحتلال الإسرائيلي من إفراغ تدريجيّ للفلسطينيين، وبالأخص للقدس الشريف من المسيحيين فيها.?ولقد اغنى اللقاء مداخلات لعدد من المفكرين، ابتداء من مدير المنتدى الدكتور محمد ابو حمور، والشيخ د. محمد النقري من لبنان، والدكتور برنارد سابيلا من القدس، والدكتور هايل الداود والدكتور جمال الشلبي والدكتورة مارسيل جوينات والاستاذة رلى سماعين من الاردن.

وقد أهديت كلمتي لروح سيدتين فاضلتين: الاولى الباحثة الراحلة فدوى نصير التي توفيت العام الماضي، بعد أن ألفت قبل سنوات كتاب » المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية، 1840-1918»، وبينت فيه بان للمسيحيين العرب اسهامات جلية في نهضة بلدانهم، ونمو الافكار القومية، وتفعيلها في سياق الحياة العربية. والسيدة الثانية هي الشهيدة شيرين ابو عاقلة التي تمت جنازتها في كنيسة داخل القدس الشريف، لتبين ان المسيحيين ما كانوا ابدا متفرجين على قضايا امتهم، بل كانوا مسهمين ومضحين بالغالي والرخيص في سبيلها.

نعم، لقد تعرّض المسيحيون، طوال العهود، للعديد من المضايقات، ومنها ما تعرضت له مجتمعاتهم كلها، وأصابهم من ورائها ويلات وانحسار. لكن يبقى المسيحيون «نوّارة الشرق» و”ملح الأرض» على حد تعبير السيد المسيح. ويبقى لهم حضورهم المميّز ونكهته الانفتاحيّة والوديعة، وإسهاماتهم الجليّة والجليلة في الميادين كافة؛ فهم حاضرون، كما كانوا بالأمس، وأيضًا الآن، وغدًا، في الميادين الثقافيّة والعلميّة، وفي ميادين الثقافة والاقتصاد والسياسة والجيش، ويعملون بإخلاص في نهضة مجتمعاتهم.

فالماضي حافل باسهامات المسيحيين بنهضة مجتمعاتهم ونموها واستقرارها. اما حاضر المسيحيين، وبعيدا عن قضية الاعداد والنسب المئوية للحضور، فانه يسير على ايقاع البلاد التي يسكنون فيها، وهو أحيانا يعيد بناء نفسه، كما الحال في بلدان «ما يسمى بالربيع العربي»، أو يرمم ما حدث من دمار من الحروب، مثل العراق وسوريا، أو يحاول ان يتحرر من طائفية سياسية ضيقة، لم تعد صانعة للأمن والاستقرار كما في لبنان. او في اكمال مسيرة العطاء والحضور المميز كما في الاردن، حيث المسيحيون يسهمون اسهامات جلية، عبر كنائسهم ومدارسهم وجمعياتهم ال?يرية التي تقدم المساعدة لكل انسان بغض النظر عن دينه، سواء كان مواطنا اصيلا او وافدا محتاجا.

أما بالنسبة للمصير او المستقبل، فلا يعتمد على المسيحيين وحدهم، لانهم ليسوا جزرًا معزولة في هذا الشرق العزيز والمتألم والتائق إلى أيام أفضل، فهم ما زالوا يعيشون بشراكة حضاريّة مع إخوتهم المسلمين، ويقفون «معًا» أمام الله الواحد، في خدمة الإنسان. ويُبنى المستقبل بالحفاظ على التعدديّة، وبتعزيزٍ متواصل لقيم المساواة والمواطنة، وعلى مدّ جسور المودة والتعاون بين مسيحيي الشرق الذين بقوا هنا، وبين إخوتهم الذين هاجروا، سواء أكانت هجرة اختياريّة أم تهجيرًا قسريًّا. كما يبنى المستقبل على تعزيز المجهود المسكوني (أو الوحدة بين الكنائس)، لكي تكون يدا واحدة وقلبا واحدا. وعلى مواصلة الجهود في مختلف بلدان الشرق لإرساء القيم الثابتة والماكنة للديمقراطيّة، والمشاركة المفتوحة للجميع في مختلف الميادين.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى