آراء وكتابهام

سلامة يكتب: إيران بين الدولة والثورة ومدافع آيات الله

الحياة نيوز – أحمد سلامة – قبل قرابة الثلاثين عاما، وافيتُ طهران أول مرة في حياتي، كاتبا وصحفيا في جريدة (الرأي الأردنية).

وكتبت عدة مقالات بعد أن مكثت فيها قرابة الأسبوع، ضمن وفد صحفي أردني في أكتوبر من عام 1991 لحضور مؤتمر إسلامي نظمته الدولة الإيرانية للبرلمانيين المسلمين والعرب، لمناهضة مؤتمر مدريد للسلام. كان شخصا غامضا كعادة الإيرانيين كلهم اسمه (مهدي الكروبي) هو رئيس البرلمان الإيراني وقتذاك وعازف اللحن الأخير في ذاك المؤتمر ونجمه…

عدت لأكتب عن تلك الرحلة المثيرة عدة حلقات في صحيفة الرأي تحت هذا العنوان تقريبا؛ لذا أحببت أن استعير من نفسي ذات العنوان، لأن كل شيء في الكون قد تغير. إلا ايران لم تتغير قيد حرف جر طوال تلك السنين.

لم يكن من السهل علي أن اذهب لزيارة طهران عاطفيا، فقد جاء المؤتمر الإسلامي ذاك عقب (انكسار ظهرنا كأمة عربية واختلال التوازن في المنطقة لمصلحة الثلاثي المرح (كيان اليهود، وتركيا الطامعة، وإيران الجشعة) لقد سنَّ الثلاثة أسنانهم بعد تدمير العراق وانكشاف ظهر الجبهة الشرقية للعرب وفي ظني أن تحالفا ثلاثيا قد تحقق في تلك اللحظة لتقاسم أمة العرب وخيراتها وأرضها.

فاليهود سيستفردون بفلسطين استفرادا مطلقا (وهات) يا استيطان وهات يا ثلاجات أطفال فلسطين وشبابها التي تحيل الجسد الى قطعة من ثلج مجهولة الملامح، تماما يحاولون تقليد قاتلهم وذابحهم النازي البشع هتلر هم غيروا في معنى النازية درجة الحرارة من الفرن الى الثلج ما اقبحه من احتلال.

وايران اختطفت حد الذبح العراق بالكامل ثروة ومجالا حيويا وقتلا وذبحا وصنعت من العراق الوحدوي بوابة واسعة للهويات القاتلة.

وتركيا كانت أكثر بشاعة فغزت لاحقا سوريا واقتطعت ما أكملت به الذي اختلسته أصلا عقب تسويات الحرب العظمى الأولى الاسكندريون)، ولم ترمش ومدت لسانها صوب العراق، واحتلت بعض أرضه، وهي تهمهم وتمهد لقصة (تتريك كركوك والموصل) كانت تلك النتائج هواجس في ضمائرنا ولن نعرف أننا سنعيشها حقيقة حقيقة ما الذي وجدته في ايران؟.

ايران كيان أمة تشكل بمعناه الوطني ونضج على حواف سنة 610 ميلادية وبعد أن دحرها هرقل في حرب استرداد بيزنطة لبلاد الشام ومصر وبعض المغرب العربي والعراق من الغزو الفارسي لها والذي خلده القرآن الكريم كحالة تعاطف مع مسيحية بيزنطة ضد وثنية فارس ولقد حزن العرب لذلك فطمأنهم الله سبحانه وتعالى أن بيزنطة عائدة (غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون)
كانت شخصية فارس الوطنية تتبلور من تحت خسارتها المذلة التي داهمت خيول القسطنطينية افيالها وصارت الفيلة والجند الفارسي (فلولاً) على مرمى الألم الوطني.

من هنا جاءت كلمة (فلول) التي تستعمل الان في السوشال ميديا من دون علم بدلالاتها فارت فارس في صورة البحث عن ديانة خارقة تلملم ظلمها وقهرها واضطهاد الدهاقنة لها وعبادة النار وظلم كسرى فارس المتجبر.

كان هناك مشروع ثورة لبلورة الشخصية القومية الفارسية ولكن وعلى حين فجأة اندلعت ثورة ليست إيرانية ولكن بجوارها تبشر بالعدل والحق والحياة الفضلى و الايمان على يد نبي عربي سليل. وجاءت ثورة الاسلام هذه متزامنة مع حيرة فارس في إيجاد ذاتها…

وتعانقت الرغبة الايرانية مع ما بشرت به ديانة العرب الإسلامية الجديدة من حيث تثبت اليقين التوحيدي والإيمان بالله الواحد الأحد واضطر الفرس للإذعان لديانة العرب في حين قبلوا الإسلام و العدل الإلهي و التوحيد رفضوا مسؤولية العرب كأداة أولى في التعبير عن الدين الجديد.


مثل تركيا تماما كلاهما قَبِل الإسلام ورفض العروبة إلا مصر القبطية التي قبلت العروبة والإسلام معا وهذا أول خلل في العلاقة بيننا وبين ايران ثم راحوا يبحثون عن صيغة لبلورة خلاف بين الأمتين ليميزهم فاخترعوا المذهبية وسيلة اذ كيف تبجل آل البيت وتقدسهم مذهبيا في حين ترفض عروبة آل البيت.

وفي المزاج ايران من طينة لا تمت لنا بصلة فايران عبدت النار ردحاً طويلا وفي جيناتها حنين لدفئها ونحن أمة ورثنا معنى النار في الاخرة أنها مصير البغاة الكفرة في العلاقة مع السماء العرب أحبوا النجوم وتعايشوا معها كمرشد وكهادٍ في طرقهم الصحراوية الممتدة
فعرفوا الزهرة ودرب التبانة وسهيل أما الإيرانيون، فظلوا من الأمم المتعلقة بالمطر والثلوج لأنهم أمة الضباب وأمة الجبال وما بين
صفاء الصحراء و سمائها وضباب الجبال و غيومها وقع الشك في التعايش والإيرانيون أمة واجمة يستحيل على أي مراقب لهذه الأمة أن يعثر على انسان فرح أو ضحوك ونحن أمة الدبكة و الميجانا وأمة الحب والحياة والزغاريد من تلك الزيارة الأولى لطهران تعمق في داخلي معنى الفوارق بيننا قد نتلاقى يوما على جيرة معقولة لكنهم لن يقبلوا قط أن يكونوا مثلنا ولن يتمكنوا أبدا مهما اختطفوا من عواصم عربية بقادرين على تغيير العروبة وقيمها والإسلام ووسطيته وسنظل رغم كل سوء الحال بتنوعنا المعرفي وتعدد دياناتنا وتسامحنا فوق طموح اليهود البائس وقادرين على لجم أطماع الترك المتمادين وسوف ننهي سطوة ايران على العواصم المستلبة من غزة حتى بيروت ومن دمشق حتى صنعاء.

لماذا اقول ذلك لأن التاريخ هو اليقين ونحن جُربنا قبلا في ظروف أصعب ونهضنا انا لا استحضر التاريخ كحكاية تطمين بل التاريخ هو العتبة التي تلج الأمم فيها بوابات المستقبل ذلك علم وليس اماني كان مؤتمر الإسلام عجيبا ومريبا في تركيبته ففيه أحمد جبريل يتغزل في عظمة المرشد وحضور الشيخ عبد الحميد السائح البهي (كرئيس للمجلس الوطني الفلسطيني) قد اضفى طابعا سنيا تحذيريا أن لا أحد بقادر على اختطاف الإسلام او القضية الفلسطينية، أما المرحوم الدكتور عبداللطيف عربيات رئيس مجلس نوابنا حينذاك
فقد كان حضور ذلك الأخ المسلم بوطنيته وروحه الثابتة الحازمة في عدم السماح لأحد المس بالأردن ما أثار دهشتي و حبي، وحين طلب الي معالي العم أبو السعيد (عدنان أبو عودة رحمه الله) (المثول بين يدي الكبير الحسين ملك الخلق والحب ليسمع ملاحظاتي عن طهران) باشرت الثناء والمديح على الموقف الوطني والشجاع للدكتور عربيات والاعتزاز والبهجة بموقف الشيخ السائح الذي رفض الذهاب للسلام على (المرشد الثوري الخامنئي) وحين استعرت لهجته النابلسية في حضرة الحسين أُغشي على سيدنا رحمه الله من الفرح والضحك
كانت الرحلة على الأقدام لزيارة المرشد من مقر المؤتمر حتى مقر إقامة (الخامنئي).

وقبل الوصول قال الشيخ السائح لمرافقه الفلسطيني فجأة (يا عبد رجعني عالفندق أَني دُخُت وضم الدال و الخاء) بنابلسية كاملة وحين رجعت للفندق ذهبت للإطمئنان علي سماحته، ظنا مني انه مريض فعلا. كان الشيخ السائح رحمه الله يخلع جبته وعمامته ويجلس بسعادة ومرح في جناحه في الفندق بادرته سلامتك يا شيخنا اجابني ضاحكا يرحمه الله اقعُد احمد اقعُد انا بألف خير يكسر خاطره شو الحكمة نروح لعنده مشي أني ما بسلم على الخامنئي كان ذاك المؤتمر عندي أول فهمي لغموض حركة الإيرانيين.

وأول رفضي لسطوتهم بالتمرير حين جلست على الحصير الممدود في باحة استقبال الخامنئي من ضمن من جلس امامه لننتظر جميعا وعظته لقد راقبت بدهشة عين المراقب كيف ذابت فجأة كل ملامح الدولة في ايران على حصير الخامنئي ولم يتبق من شيء له ملامح سوى سماحة المرشد، حينها ادركت ان ايران لم تنجز مشروع دولتها بعد وتنازع الصلاحيات بين الدولة كمتطلب وسطوة المرشد كواقع
ستجعل منها كيانا غير قابل للحركة الإيجابية والتقدم.

ايران دولة اقرب الى الغرب من كل كيانات العرب رغم صواريخ سماحة السيد في لبنان وتشدد (سماحة ابو العبد هنية) في غزة، وفورة الزيدين الذين راحوا بعيدا عن زيديتهم المعتدلة الى (نظرية ولاية الفقيه) فإن ايران لا ترى في الكون خصما ولا عدوا سوى أمة العرب
تلك الأمة من وجهة نظر (أحد علماء الحوزة) التي صنعت امبريالية دينية غزت جوار ما حولها والاسلام من وجهة نظره هو دين عربي محض
اذن ما هو الحل مع ايران؟.

في اعتقادي ان نظرية الاستبدال للإيراني باليهودي نظرية غير نافعة وغير مجدية وهي لا تأتي بحل تاريخي لأن تحت ذلك السجاد العجمي الفارسي الباذخ ثمة دوما (اسرار ايرانية) ستكشف الأيام أن من يراهن على عداء يهودي لايران أو يهودي للترك يكون اما متعجلا في التحليل واما انه غير واع لحقائق التاريخ الحل العربي الان يطل من بين الإطاحة برئيس الوزراء الاستعماري الباغي (جونسون) الذي هو من جذور تركية وبين نتائج الحرب الأوروبية الأوروبية ثمة بارقة أمل في ان تلتف الأمة من حول مصر شريطة ان تعمل مصر من ذاتها قاعدة للأمة بطرح برنامج وصناعة رسالة وان تنتقل قيادتها الوسطى من التكنوكراط الى برنامج سياسي قومي نبيل وان تعثر على مصالحة تاريخية تلغي أسباب التوتر الداخلي.

عام 2009 كان اردوغان الرئيس التركي يترأس اجتماعا لمنظمة اقتصادية اسلامية بحضور كل نجوم المرحلة (سمو الأمير سلمان بن حمد ولي عهد البحرين، و المهندس نادر الذهبي، بشار الأسد، احمدي نجاد، وآخرين كثر)…..

حين باشر احمدي نجاد خطابه الثوري ناصحا الحضور ببرامجه المعتاد في معادة الشيطان الأكبر، الذي حين جاء بقدميه الى المنطقة وحارب العراق فإن ايران قد شطبت كلمة الشيطان واستبدلتها بكلمة الحليف الأكبر لم اضع سماعات الترجمة لاستمع بالعربية لما قاله بالفارسية….

بعد ثلاثة ايام، سألني مسؤول بحريني (احمد انت بتعرف فارسي؟! اجبته لا يا سيدي قال: شفتك ما حطيت سماعات الترجمة لما (نجاد) باشر خطابه في مؤتمر اسطنبول ابتسمت واجبت والله يا سيدي نجاد سيعيد قول الإيرانيين الذي سمعته من كروبي قبل عشرات السنين ولن يضيف شيئا لأن ايران لم يتغير فيها أي شيء لسبب أن سماحة المرشد اختصر الدولة في شخصه وحسب لذا اكتفيت بالاستمتاع بموسيقى اللغة الفارسية.

ايران ستظل اللغز المحير في العلاقة معنا لان النار قبل اسلامها كان عبادة و النار بعد ان هدانا الله للإسلام صارت أضحت عقوبة.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى