آراء وكتابهام

منصور يكتب: جدري القردة

الحياة نيوز – د. عاصم منصور

الاهتمام الواسع عبر العالم بأخبار المرض الجديد المسمى “جدري القرود” له ما يبرره من جهة التجربة البشرية القاسية مع جائحة كورونا، والتي تكاد تطوى صفاحاتها المريرة عن كل العالم، وترحل غير مأسوف على فراقها، وكذلك في وقع اسم مرض “الجدري” وذكريات البشرية الأليمة معه، والمضاف اليه “القرد” الذي جاء حضوره عرضيا في اسم المرض، ثم الصور المزعجة والكريهة لأعراض هذا المرض الذي ينتشر على شكل قروح وندوب على جلود المصابين.

وبخلاف ذلك، فإن مخاطر المرض ما زالت ضئيلة وفق التقديرات الحالية، حيث تصفه منظمة الصحة العالمية – حتى الآن – ب “مرض معدي ناشئ” و “مرض ناشئ لا يتم الإبلاغ عنه بشكل كافٍ”، ومع ذلك، فالمنظمة تجتهد مع الدول المتكاثرة التي تسجل إصابات جديدة به ومع الخبراء في متابعته، مستفيدة من تجربتها مع كوفيد، فقد حرصت المنظمة على أن تؤكد “أنها تقوم بمراقبة تطور المرض عن كثب، وتقيم الأوضاع بسرعة”.

لقد ظهر المرض حتى كتابة هذا المقال في اثنتي عشرة دولة خارج القارة السمراء -التي لا زال يعتقد إلى الآن بأن مصدر هذا المرض يعود إلى وسطها وغربها-. فظهر مسئولو الصحة في أوروبا -وكان أبرزهم وزير الصحة البريطاني “ساجد جاويد”- متحفزين في تصريحاتهم المتتابعة حول اعداد الحالات التي ما زالت في حدود العشرات، وظروف انتقال العدوى، وتوفر اللقاحات والأدوية، وتم تشكيل فرق لمتابعة “الحالة” في مهدها قبل أن تتفاقم -لا سمح الله-.

ولكن المقلق أن معظم الحالات التي قد تم اكتشافها مؤخراً لم تكن قد غادرت بلادها خلال الفترة التي سبقت ىالاصابة ولم تكن أيضا على اتصال مع حالات معروفة مصابة بالمرض، وإن كان قد تم ربطها مبدئيا بعامل آخر. وهو ما يجعل التصنيف العالمي للمرض بأنه “متوطن” في دول محددة في افريقيا موضع بحث.

الجانب الذي اثار جدلاً أخلاقياً وصحّيا هو تصريح الجهات الصحية -وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية- بأن ” غالبية الحالات التي تم تسجيلها حتى الآن هي لرجال مارسوا الجنس مع رجال آخرين”، وتصريح وكالة الأمن الصحي البريطانية، من أن “نسبة ملحوظة من الإصابات التي اكتُشفت مؤخرا في المملكة المتحدة وأوروبا وقعت بين صفوف المثليين”، مما يستدعي الانتباه إلى هذا الجانب عند ظهور أية أعراض للمرض, لكن الملفت أن الصحافة الغربية قد تناولت هذه العلاقة السببية بطريقة خجولة خشية الوصمة التي قد تلحق بهذه الفئة.

ما زالت طرق انتقال المرض الى الآن غير واضحة تماما وان كان التلامس المباشر أو غير المباشر –من خلال الألبسة والمتعلقات الشخصية_ هي الوسيلة الأكثر ترجيحا ومع ذلك فإنه يمكن أن يتم أيضاً عبر سوائل الحيوانات المصابة، أو من خلال قطرات تنفسية بشرية “كبيرة”.

نخلص إلى أن المرض لا يزال بعيدا عن الدخول في مراحل “الوباء”، أو “الجائحة” في العالم، وفي بلادنا بشكل خاص، كما أن هناك تجربة ذات جدوى مع لقاحات الجدري في حال استدعى الوضع اللجوء إلى اللقاحات، وهو أمر مستبعد بدرجة كبيرة ضمن المعطيات الحالية. ولذلك نكتفي الآن بمتابعة تطور المرض، ونعتصم بكل ما يقينا شروره، ثم نتفق على اسم عربي واحد له “جدري القرود” أو “جدري القردة”.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى