آراء وكتابهام

أن تسير في شوارع القدس

الحياة نيوز – الأب رفعت بدر – صحوت باكراً في القدس الشرقية، حيث أمضيت أياماً في البطريركيّة اللاتينيّة قرب باب الخليل التاريخي. ذهبت للتجوّل في الشوارع قبل أن تفتح دكاكينها. هناك رهبان وراهبات يذهبون إلى كنيسة القيامة، باكرين، وشاهدين على قدسيّة كلّ حجر من مدينة القداسة. وهناك جنود مدجّجون بالأسلحة، شاهدون على واقع الاحتلال الذي لم ينتهِ.

تستنشق التاريخ وعبقه وقداسته، مع رائحة القهوة هنا وهناك، أو الفلافل المقدسيّة الشهيرة، وتتأمل في الواقع وتحاول استشراف المستقبل. ثمّة أشخاص عديدون قابلتهم في هذه الزيارة من عائلات أو عاملين في الكنيسة، أو أصدقاء من عهد قديم، ما زال الجرح نازفًا. لكنّ الجميع قرب باب الخليل، وبالاخص منذ شهر، فخورون بأنّ «شيرين» قد رفعت معنوياتهم بالرغم من طعنة الفراق والحزن والغضب على رحيلها المأساوي، وعلى الاعتداء اللا-إنساني على جثمانها المحمول على أكتاف الفلسطينيين من مختلف المناطق والأديان. وقد زرت ضريحها، وصلّيت عنده، وطلبت لها الرحمة وأن تدعو هي بدورها من علياء الملكوت المفتوح للشهداء، من أجل إيقاظ الضمير، وألا يكون موتها عابراً، بل سبباً لبذل الجهود الصادقة من أجل السلام كحلٍ دائم ومنصف بحق الشعب الفلسطيني.

لمست من الناس تقديرًا كبيرًا للأردن الكبير بقيادته وشعبه، الذي لم يتخل يوماً عن واجبه بتذكير العالم بالحق الذي يجب أن يناله هذا الشعب بعد معاناة طويلة. وهناك تقدير لتكريم جلالة الملك للشهيدة شيرين، من خلال شقيقها، في عيد الاستقلال الأردني، وللدور الأردنيّ البارز في الحفاظ على المقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القدس الشريف.

كيف تنظر المدينة المقدّسة إلى المستقبل؟ هنالك بلا شكّ عملية تهويد تدريجية ومخطط لها، وفي كل فترة تتصدّر الأخبار قصة هنا وهناك. وهنالك قضايا قانونية قد تم الإعلان عن خسارتها مع كلّ أسف، مثل فندقي البتراء وامبريال التابعين للكنيسة الأرثوذكسيّة، فبعد ما يقارب على العشرين عاماً من بذل الجهود محلياً وعالمياً للحيلولة دون استمرار الصفقة المشبوهة، صدر في الأمس القريب عن المحكمة الإسرائيليّة العليا عدم قبول استئناف الكنيسة الأرثوذكسيّة المقدّم من عام 2019. هذا بالإضافة إلى قضايا كثيرة ما زالت عالقة للكنائس وللشعب، ولا أظنّ قانون الاحتلال سيكون يومًا منصفًا بحق شعب أعزل يعتبر نفسه يعيش في سجن كبير. التهويد إذاً هو الخطر الأكبر الذي يجتاح المدينة المقدّسة بالتدريج وينتشر أكثر فأكثر، فيما يبدو العالم صامتًا وقابلاً لهذه الحالة التي شجّع عليها الرئيس الأميركي السابق وأجج مشاعر العرب في كلّ مكان حول القدس والمقدّسات.

لست متشائمًا – لكن من يسير في شوارع القدس، تنتابه موجة من «فوضى الحواس»، نظرا للتاريخ المقدس، وللواقع المعقد. وهنالك شعور بالرهبة من قداسة الزوايا والحارات والبلاط التاريخي الذي مشت عليه آلاف من الأجيال فتقدّست. لكني كنت أسير بخوف وقلق كبيرَين على مدينة القدس الحبيبة ومستقبلها الغامض، والذي لا يبدو في الافق له حل قريب. وفي الوقت ذاته أقدّر عاليا العمل الدؤوب للكنائس المؤمنة والصابرة والصامدة، وتفاني مؤسساتها العاملة بنشاط، من أجل دعم صمود المقدسيين في أقدس مدينة في التاريخ، ومن أجل تذكير العالم، من خلال استقبال أفواج الحجّاج في كلّ مكان، أنّ القدس هي قلب العالم، ولا يجوز لأحد أن يستأثر بهذا القلب أو يستولي عليه وحده.

[email protected]

الرأي

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى