آراء وكتابهام

هذا ما عرفه اليهود ولم يعرفه العرب!

الحياة نيوز – فايز الفايز – من الطبيعي أن يعود رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي نفتالي بينيت إلى عنصريته اليهودية، فالقبعة السوداء لا تفارق جمجمته، ولهذا قدم في اجتماع حكومته أمس الأحد براءته مما أسماه «أي تدخل أجنبي في إدارة الحرم القدسي» مشددا على أن القدس هي العاصمة الأبدية لإسرائيل اليهودية وستبقى إدارتها تحت يد سلطتها، وهذا استنكاف عن كل التفاهمات التي اعتمد عليها الأردن وقادت الى تبريد الوضع في المدينة المقدسة وما حولها من مقدسات مسيحية، ولكن هل لليهود صلة بها، بالطبع لا فهي مولد النبي عيسى ومسرى الرسول محمد، وأما اليهود فلم يكونوا أصلاً بها، ولكنهم اتخذوا من الخليل مقاماً لأبي الأنبياء إبراهيم ولم يكن إبراهيم يهودياً ولكن كان حنيفاً مسلماً لله.

في المعتقدات السياسية عبر تاريخ الإمبراطوريات الأوروبية المتناحرة قبل أن يخلق أجداد بينيت، فإن القدس هي المدينة التي يقرأون عنها في كتب التاريخ الديني للأحبار والقديسين، وكم من الحملات الحربية التي قاد ملوك وقادة للجيوش لاحتلال فلسطين، وهم بهذا لم يكونوا ينظرون الى تلك البقعة المقدسة على أنها ملك لبني إسرائيل أي يعقوب، بل هم يعرفون أن الله حرمها عليهم بعد أن أوحى الى النبي موسى ليدخلوها ولكنهم نقضوا العهد ونكصوا عن مواجهة الجبابرة فيها، فحرمهم الله شرف ملكيتها وكتب عليهم التيه لأربعين سنة قضوها ضالين في أقصى صحراء سيناء حتى مات الجيل الأول جميعهم، ولذلك قال النبي يوسف لأبيه يعقوب: الحمد لله الذي جاء بكم من «البدو»، والقدس وأكنافها ليست بادية.

لهذا أدركت الأمم القديمة كما أدرك كثير من اليهود الجدد أن من يحكم القدس يحكم العالم فالقدس تعرضت للتدمير مرتين، وحوصرت 23 مرة، وهوجمت 52 مرة، وتمّ غزوها وفقدانها مجددًا 44 مرة، وهذا ما لم يدركه العرب الجدد على الأقل، بل لم يروا فيها سوى ما يسمى «تقديسة» فالكثير من حجاج بيت الله الحرام من أصقاع العالم الإسلامي كانوا يتوجهون الى القدس للصلاة فيها، ولا نعلم أي نص حث على ذلك سوى حديث الرسول عن شد الرحال للمساجد الثلاثة ومنها القدس، ولذلك فإن الحكم الإسلامي للقدس بعد فتحها للخليفة عمر بن الخطاب لم يطرد منها أحداً، بل أخذ جميع من فيها الأمان والتعايش الديني خصوصاً المسيحيين، حتى جاءت الحملات الصليبية التي أغرقت بلاد الشام ومصر بالدماء، ولم توفر حتى اليهود فقتلوا منهم ولا المسيحيين العرب أيضاً.

اليوم نرى كيف تسيطر الصهيونية اليهودية على مقابض الحكم الاستعماري بطريقة وحشية ضد العرب الذين آووا اليهود بعد تقتيلهم على يد الملك فرديناند ومحاكم التفتيش في إسبانيا، ولم يشفع احتضان الدولة العثمانية لليهود ودمجهم في مجتمعها الإسلامي وتنصيبهم في مؤسسات الدولة من أن يرعوا العهد مع المسلمين والمسيحيين العرب بعدما جاءت بهم الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية ومنحتهم حق التملك لما لا يملكون الحق، فبنوا بيوتهم على أنقاض قرى العرب عبر الساحل التي دفنت فيها جثث آلاف العرب المسالمين، وبعد خمس وسبعين سنة عجفاء لا يزال الإرهاب الإسرائيلي تدور رحاه ضد الفلسطينيين وتسرق أرضهم وتهجّر السكان من بيوتهم المبنية قبل أن يأتي حاييم وايزمن وديفيد بن غوريون ليؤسسوا الكيان المغتصب لأرض السلام.

ومن الكذب الفاضح والمكشوف والذي لم يعد يهتم بزيفه أحد، احتفلت السلطات الصهيونية المحتلة بما يسمونها ذكرى الاستقلال، وكأنهم هم الذين عاشوا في فلسطين تحت إحتلال دام طويلا وانتزعوا منه استقلالهم، وهذه الكذبة الكبرى التي يروجونها أمام شعوب العالم الجاهل في التاريخ والجغرافيا، ولكن هناك من يرسل لهم برقيات التهنئة في المقابل، ليساووا ما بين الضحية والجلاد، بل مجدّوا الجلاد وأهملوا صاحب الحق، وما دام الصهاينة يسيطرون على القدس باحتلالها وبإجراءاتهم العدائية ضد الشعب الأصلي من الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين ويهود الضفة الغربية الصغيرة ستبقى تل أبيب وقياداتها هي المتقدمة على كل دول العرب والعالم.

عندما دخل الجيش الأردني القدس ورحلوا اليهود إلى الجانب الغربي منها عام 1948 واعلنوا سيطرتهم عليها لم يعترض أحد من العرب والعجم، بل إن الإنجليز والأوروبيين سكتوا على حق الأردن بالبقاء فيها، وعندما استتبت الهدنة وتوقف القتال عند حدود الرابع من حزيران ظهرت حدود الكيان الإسرائيلي في ذلك الجيب الساحلي الطويل، وبقيت القدس حتى مرتبطة مشيميا بعمان لا غير حتى يومنا هذا، ولكن ما نراه اليوم هو انقلاب كامل على الوصاية الأردنية والهاشمية على المقدسات في القدس، وبوادر المستقبل لعقد قادم سيكون أكثر حدة وعنفاً، فإسرائيل تنازع نتيجة التفكك الداخلي والكراهية البينية بين اليهود أنفسهم، وكما حذر ايهود باراك قبل أيام من أن لعنة العقد الثامن لكيانهم سيجلب دمار الدولة، فإن الفلسطينيين يتعاظمون بقوتهم البشرية والمقاومة أكثر من كل الحروب التي خاضتها إسرائيل مع العرب مجتمعين.. فهل ستكون نهايتهم قريبة؟ الله أعلم.

(الرأي)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى