آراء وكتابهام

ما الذي فعلتِه يا شيرين؟

الحياة نيوز – د. منذر الحوارات

ما بين الصدمة والذهول والرغبة في عدم التصديق شاهد عشرات الملايين من العرب والفلسطينيين رفيقتهم في المنازل على مدى ربع قرن وهي جاثمةً على الأرض وكأنها تعانق ترابها الذي عشقته دوما وفي المكان اصوات لا تنقطع لطلقات رصاص غادر يتخلله صراخ شاب برجع صدى يوجع القلب (شيرين ولكوا شرين، اسعاف، شرين انصابت…) ويتردد الصوت وفي الصورة شابةً تتسمر خوفاً لا تكاد تلتقط انفاسها فقد اصابها رعب شديد تحاول ان تمد يد المساعدة لكنها لا تقوى على ذلك إما من شدة الخوف او من هول صدمتها بأن رفيقتها فارقتها الى غير رجعة وفي المشهد السوريالي هذا يقفز شاب جسور يحاول انقاذها ولا تعيقه رشقات الرصاص المنهمر من جانب العدو ويسحب شيرين من ذراعيها وفي الاثناء بانت بعض الأجزاء من جسدها لكن جميع من شاهد المنظر غض بصره لأن الجميع لا يريدون أن يروها بشراً بل يريدونها شيئا آخر غير ذلك ربما راؤها فلسطين لا ادري ولكن ما أنا واثق منه ان كل من شاهد تلك اللحظة تمناها حلماً او كابوساً سرعان ما سيزول، لكن ذلك كان حقيقياً وليس حلماً نعم ماتت شيرين استشهدت برصاصة غادرة من عدو غادر لكنها في اللحظة التي فارقت فيها الحياة بثت الحياة في طوفانٍ من البشر كان في حارة من الكمون لعقود خلت.

لكن السؤال المحير لماذا اعدموها وليس لديها رصاصاً أو بندقية؟ فكل ما في حوزتها عيناها التي ترى وأذناها التي تسمع وصوتها الدافئ العذب والميكروفون والكاميرا وإطلالتها اليومية عبر قناة الجزيرة لبضع دقائق تقول فيها ما يريد الاحتلال أن يخفيه وتنقل قصةً اخرى غير القصة التي يريد لها الاحتلال أن تسود وهي تدخل كل بيت وكل قلب وعقل تحاول في كل يوم أن تحرك الوجدان العربي من القدس، من رام الله، من جنين من كل بقعة في الأرض المحتلة وهي تفعل ذلك منذ ربع قرن، انها تنقل روايةً اخرى من ارض الواقع من ملحمة الصراع بين التزوير والحقيقة، لذلك كانت خطرة بل وأشد خطورةً من جيوش مؤللة بالاسلحة والنياشين فهذه أمنتها دولة الاحتلال منذ زمن فقد اصبحت اسيرة المستودعات او الصراعات البينية العربية ولم يبق لديها سوى صراع الإرادات والروايات وشيرين كانت رأس حربة الرواية المضادة لذلك كان لزامًا ان تُقتل وتموت بأي شكل أو طريقة ولا بأس من الرصاص فالعالم الحرّ لن يصدق إلا ما سنقوله لذلك كانت الرصاصةُ في الرأس حيث مجمع اسلحة شيرين الفتاكة.

لكن ما لم يحسب القتلة حسابه انه في اللحظة التي ستفارق روحها الجسد ستطلق الحياة في موجة غضب هادر في نفوس شعب بأسره كان يرى في وجه شيرين صورة فلسطين لذلك رفض لها أن تموت وأرادها أن تحيا لكن هذه المرة الى الأبد، فكانت موجات البشر الغاضبون تعبر الشوارع تهتف باسمها وفلسطين معاً لم يشأ أحد أن يفرق بينهما ففي رمشة عين تحولت شيرين الى نقطة جذب يوحد الفلسطينيين بغض النظر عن خلافاتهم الأيديولوجية أو السياسية، اكتشفت دولة الاحتلال أنها وقعت في مأزق كبير وفي محاولة لاستدراك الموقف بدأت اجهزتها الامنية بابتداع أساليب تحرق فيها الروح الجماعية صحيح انها وجدت صدى لدى بعض المأفونين لكن سرعان ما طغت عليها وسحقتها في مهدها نفس الروح الجماعية التي أوجدها موت شيرين، وبعد فشلها في صنع الفرقة بدأت بترويج فكرة أن القاتل قد يكون فلسطينياً حتى تضعف هذا التلاحم لكن كاميرا زملاء شيرين كذبت هذه الرواية ايضاً وبعدها تعددت الروايات والسرديات لكنها فشلت جميعها في دفع الحقيقة إلى الوراء وانتصرت شيرين حتى وهي جسداً مسجى في نعش وحتى هنا حاول الجنود ايقاف الصوت الهادر لجموع المشيعين وربما حاولوا اعتقال النعش وربما العلم لكنهم لم يفلحوا.

وأخيراً وصل الجسد الطاهر إلى حيث احتضنه تراب القدس، لكن ذلك الجسد ومنذ لحظة اطلاق النار عليه وحتى مواراته الثرى صنع واقعاً آخر صنع موجة من الحرية لا يمكن لأحد أن يقهرها ورواية اخرى حفرت نفسها في قلوب وعقول الملايين ليس من العرب فقط بل من امم اخرى كانت حتى لحظةً قريبة لا تقبل أن تناقش مجرد نقاش أن هناك آخر اسمه الفلسطيني، وبعد كل ذلك ألا يحق لنا أن نسأل ما الذي فعلتِه يا شيرين؟ نعم اطبعوا لحظة استشهاد شيرين في عقولكم ولا تحاولوا نسيانها أو تجاوزها فمنها ستنطلق لحظة اخرى أكثر حرية وأكثر كرامة وأقل ذُلاً ومهانة.

(الرأي)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى