آراء وكتابهام

دعمٌ ومؤازرة !

الحياة نيوز _ د. لانا مامكغ – تمنّت لو أنَّ الأرضَ تنشقُّ وتبتلعُها لمّا قال لها الرّجلُ العابس بنبرة تهديد:» هذه هي المرّةُ الأخيرة التي سأسمح لكِ فيها بأخذ أغراضكم من عندي … لا تؤاخذيني يا أختي، ديونكم زادت، وصبري له حدود!»

فتحت الموضوع مع زوجها في المساء، والإحراج الذي تتعرّضُ له يوميّاً، فلم يُبدِ ردَّ الفعل الذي توقّعته، بل اكتفى بالشّكوى والتّذمّر من فرص العمل المعدومة في البلد … ولمّا اقترحت عليه استثمار شغفِه في تصليح الكهربائيات، وإمكانيّة نشر إعلان له على الإنترنت، وعند الجيران في الحي، لعلَّ مهارتَه تلك تُشكّل موردا ماليا مناسبا لهم؛ أجاب بانفعال أنَّه أحيلَ على التّقاعد بمنصب رئيس قسم … ولا يليقُ به التحوّلَ إلى عامل صيانة يتنقّل من بيتٍ إلى آخر!

وقبل أن تعلّق، ذكّرها بحزم أنَّ راتبَه التّقاعدي يعني دخلا أقل مما سبق واعتادوا عليه، وأنَّ لا حلَّ سوى التقشف والاقتصاد والرّضى … وتعليم الأبناء أنَّ القناعةَ كنزٌ لا يفنى !

ومضت أيّام وهي تفكّر في حل، خاصّة وهي تتوقّعُ انقطاعَ الكهرباء عنهم في أي لحظة بسبب تراكم الفواتير، وكذلك المياه، عدا عن حاجاتِ الأولاد ومصاريفِهم … فلم تجد أمامها سوى القيام بجولة على الجارات لتبديَ استعدادها في تقوية الصّغار بالمهارات الحسابيّة والّلغوية إن احتاجوا إليها، وبأسعار متهاودة … وفعلا، استجابت بعضهنّ، فصارت تدرّس طفلين في البدء، ثمَّ تزايد العددُ تدريجيّاً إلى خمسة، فعشرة … أمّا هو، فكان يشترطُ عليها عقدَ الحصص في الفترة التي يكون فيها خارج البيت، بسبب الضّجيج الذي لا يُطيقه، والذي كان سببَه أنّها كانت تتعمّد تعليمَهم بالّلعب والمسابقات، فيستوعبون الدّروسَ باستمتاع دون مللٍ وضجر،أو تأفّف …

وهكذا، تمكّنت من تسديد بعض الدّيون، ودفعِ معظم الالتزامات المتراكمة، وهكذا، إلى أن جاءت العطلةُ الصّيفية، فحوّلت جهودَها سريعاً باتّجاهٍ آخر، بعد أن استأذنته من جديد، فوافق بشرط أن تفعل ما تشاء بعد أن تنتهي من تلبية طلباته، وتحضير وجباتِه هو!

بدأت بإعداد أطباقٍ شعبيّةٍ بسيطة، كانت تنجزُها بلمساتٍ حديثة، وتبيعُها إلى الموظّفات من جاراتها، في الوقت الذي استقطبت فيه سيّداتٍ من مناطق أخرى، حتى اقترحَ عليها البقّالُ إيّاه عرضَ أطباقها عنده برسم البيع، فاكتسبت سمعة طيّبة يوما بعد يوم، ممّا ساعدها على تحقيق دخل إضافي أسهمَ نسبيّا في سدِّ بعض النّفقات اليوميّة، في الوقت الذي كانت تقضي فيه سهراتِها بخياطة “مراييل” مطبخ، مطرّزة بعباراتٍ طريفة، أو بطباعةٍ ملوّنة لرسومات أطفال الحيّ ممّن تدرّسهم … فاكتسبَ إنتاجُها شعبيّة استثنائيّة!

ذات صباح، جاءتها مكالمة من إحدى المذيعات تطلبُ لقاءها بداعي أنّها تبحث عن نساءٍ عصاميات لإلقاء الضّوء على تجربتهن ومعاناتهن، وقالت أشياء عن التّمكين الاقتصادي للمرأة، وعن دور الجندر في تحقيق الذّات النّسوية وتمتينِها … لم تفهم شيئاً ممّا سمعت، كان كلُّ ما وصلها أنَّ عليها التوجّهَ بعد يومين إلى أحد قنوات التلفزيونيّة لتحلَّ ضيفةً على أحد البرامج الحواريّة.

أجابت خلال الّلقاء عن الأسئلة بثقةٍ واقتضاب، ولم تستجبْ لمحاولات المذيعة جرَّها إلى الشّكوى، أو وصف العذاب والمعاناة والضّنك … بدت بسيطة تلقائيّة، مع مسحةٍ من الكبرياء الجميل!

وهكذا، حتى نهاية الّلقاء الذي أنهته المذيعة بالقول: أكيد … ومن المؤكّد أنّه لولا دعمُ زوجِك ومؤازرته، لما حقّقتِ هذه النّجاحاتِ كلّها، سلامُنا وتحيّاتنا له، ولأمثالِه من الرّجال …

فهزّت رأسَها بالموافقة، ولم تعلّقْ سوى بابتسامةٍ لم يفهم أحدٌ معناها!

(الغد)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى