آراء وكتابهام

الرداد يكتب: “امتحان” التوجهات الجديدة للقيادة التركية

الحياة نيوز -عمر الرداد  – تشكل التطورات التي تشهدها ملفات وقضايا دولية واقليمية لتركيا علاقة مباشرة او غير مباشرة بها محطات امتحان لتوجهات القيادة التركية الجديدة التي انطلقت منذ اكثر من عام، وفقا لمقاربات جديدة غادرت معها هذه القيادة خطابات وسياسات تصعيدية اتسمت بـ “الصدام” مع قوى دولية واقليمية، فعلى الصعيد الدولي انتقلت تركيا من وضعية الصدام والعلاقات الباردة مع واشنطن والعواصم الاوروبية، واعادت تموضعها في اطار عضويتها بحلف الناتو ومؤسسات غربية، اما في الاقليم فقد أقدمت القيادة التركية على خطوات “انقلابية” بعلاقاتها مع قوى إقليمية “مصر، السعودية، الامارات واسرائيل” ورغم تفاوتها ما بين دولة واخرى، الا ان قاسمها المشترك “تنازلات” تركية وانقلابات على مواقفها السابقة بما فيها علاقاتها مع الإسلام السياسي والمقاربات التركية بعد الربيع العربي وعنوانها تقديم دعم لا محدود لجماعات الاخوان المسلمين في الدول العربية.

مرجعيات تحولات القيادة التركية تتراوح ما بين سياسية واقتصادية، إلا ان المؤكد ان أسبابا داخلية تقف خلف هذا التحول والتغيير التركي الجديد، ويبدو ان من أبرز تلك الأسباب الازمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا والتي لا تقف فقط عند تراجع قيمة الليرة التركية أمام العملات الاجنبية، بل تشمل ارتفاعا في نسب التضخم التي تعد الأعلى من بين اقتصاديات الدول الكبرى” 60%”، وعدم القدرة على تحقيق النتائج المرجوة من استقطاب الاستثمارات الاجنبية، بالاضافة لارتفاع مستويات البطالة والفقر.. الخ، فيما تعد الانتخابات القادمة احدى أبرز مرجعيات هذه التحولات، والتي تؤكد معطيات كثيرة ان فرص حزب العدالة بقيادة الرئيس أردوغان لم تعد “على الاقل” كما كانت بالسابق، وان خسارة حزبه بلديات اسطنبول، انقرة وازمير قابلة للتكرار في الانتخابات القادمة، رغم استمرار ضعف معارضيه.

ورغم كل ذلك، يبدو ان تحولات القيادة التركية ما زالت محط شكوك تتفاوت بين واشنطن وعواصم أوروبية بالإضافة للعواصم الفاعلة في الشرق الاوسط، وبمرجعية تاريخ من التعامل مع القيادة التركية وانتهاج سياسات المناورة، وقد شكلت العلاقات التركية – الروسية وتطوراتها باتجاه اقامة تحالف بين انقرة وموسكو، وسياسات استعادة الخلافة العثمانية داخل أوروبا عناوين لخلافات عميقة بين انقرة وحلفائها الغربيين، لا سيما مع استمرار عضويتها في حلف الناتو، فيما كانت علاقات انقرة الوثيقة مع الاسلام السياسي وعلى رأسه جماعات الاخوان المسلمين ودعمها، والأدوار التي مارستها تركيا في ساحات الصراع الشرق اوسطية بما فيها سوريا وليبيا واليمن عناوين في الخلافات بين انقرة وعواصم عربية “الرياض، القاهرة وأبوظبي”.

عمليا، نجح الرئيس أردوغان عبر سلسلة قرارات وسياسات جديدة في تفكيك أسباب الخلافات مع خصومه السابقين، بما في ذلك تخفيف مستوى التوتر مع واشنطن وتحديدا في قضية صواريخ “إس 400” الروسية، فيما انخفض مستوى التصعيد مع دول الاتحاد الأوروبي ومع اليونان، وبالتزامن شكلت الإجراءات التي اتخذتها انقرة تجاه الاخوان المسلمين وعنوانها انهاء تحالف انقرة مع الاخوان، بما فيها الإجراءات المتسارعة قبيل وخلال وبعد زيارة الرئيس اردوغان الى المملكة العربية السعودية دلالة على عمق التحولات التركية.

مؤكد ان تحولات تركيا حققت نجاحات في امتحانات: الموقف من الحرب الروسية- الاوكرانية، رغم بعض تحفظات واشنطن والعواصم الأوروبية على المواقف التركية تجاه هذه الحرب، وامتحان العلاقة مع اسرائيل بعد التصعيد الذي شهدته فلسطين، بالتمييز بين تمسك تركيا بالعلاقة السياسية والاقتصادية مع اسرائيل، وبالتزامن رفض الاعتداءات الاسرائيلية على الاماكن المقدسة للمسلمين في الأقصى وقبة الصخرة” وهي المواقف التي أثارت انتقادات للقيادة التركية في أوساط الإسلام السياسي” ومع ذلك فإن القيادة التركية ستبقى امام امتحانات جديدة في مواقفها تجاه الازمة السورية وتطورات المشهد الليبي، وهو ما يرجح ان تقدم على مواقف صادمة، لا سيما تجاه الأزمة السورية، وباتجاهات تضيق فيها هوامش المناورة بين المواقف الامريكية والاوروبية ومواقف روسيا.

ربما لا تكون مقاربة الاجابة على تساؤلات تربط بين أسباب التحولات التركية بالأوضاع الاقتصادية في تركيا والانتخابات القادمة فقط، تقدم تفسيرات موضوعية لأسباب تلك التحولات، وهو ما يعني ضمنا أنه بمجرد انتهاء الانتخابات وتحسن الأوضاع الاقتصادية فإن احتمالات عودة الرئيس أردوغان لسياسته القديمة والانقلاب على التحولات الجديدة واردة، لكن معطيات عديدة تؤكد ان التغيير في تركيا اكبر من تلك الاسباب وان هناك قناعات لدى كثيرين “على الأقل في المنطقة” تتضمن تقديرات بجدية التحولات التركية، وهو ما ينبغي ان تعمل عليه القيادة التركية، وبما يبدد تلك الشكوك، وأن تستوعب المخاوف والشكوك لدى الشركاء الجدد، في ظل سنوات من انقلابات في المواقف والسياسات، فيما ينبغي على الشركاء الجدد تعزيز عوامل الثقة بتركيا، وهو ما يرجح ان يثبت في محطات قادمة كثيرة في ملفات شرق اوسطية.

* خبير امن استراتيجي / مدير عام الطريق الثالث للاستشارات الاستراتيجية

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى