آراء وكتابهام

الإعلامية التي هندست سمعة فلسطين

الحياة نيوز – ماهر ابو طير – كان صباحاً مفجعاً، يوم أمس، حين جاء الخبر باستشهاد الزميلة شيرين أبوعاقلة، مراسلة قناة الجزيرة في فلسطين، وفي القدس تحديدا، وصباحات الدم لا يمكن أن تنسى أبدا في الذاكرة.

في الجانب الشخصي درست وشيرين معاً، في قسم الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك، حيث تعليم الصحافة آنذاك كان مهمة محترفة على يد نخبة من الأساتذة الكرام في الجامعة، وقد دخلنا معا إلى تخصص الصحافة، عن رغبة مسبقة، وتخرجنا بذات الدفعة، حيث اخترت تخصص التحرير الصحفي، وهو تخصص يضاف إلى تخصصي الإذاعة والتلفزيون ثم العلاقات العامة في قسم الصحافة والإعلام في جامعة اليرموك، وهو قسم حظي أيضا بإمكانات التدريب.

كانت شيرين قد تركت تخصص الهندسة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، وانتقلت إلى اليرموك، وكانت تتصف بالجدية والتهذيب وحرصها على تخصصها، وعلاقاتها الطيبة مع كل الهيئة التدريسية والزملاء والزميلات، وحين ينتهي كل فصل دراسي تسارع عائدة إلى بيت اهلها في بيت حنينا في القدس، الذي زرته بعد التخرج بسنوات، مثلما واصلت شيرين زياراتها إلى الأردن.

كان آخر لقاء بيننا حين وصلت قبل سنوات برفقة صحفيين بطائرة هليوكبتر عسكرية أردنية من مطار ماركا الى مقر المقاطعة الفلسطينية في رام الله، بعد رحلة استمرت إحدى عشرة دقيقة فقط، حيث كانت مع جمهرة من الصحفيين من ابناء فلسطين الذين قدموا لتغطية حدث سياسي.

في بدايات حياتها المهنية عملت في اذاعة فلسطين في أريحا، وخلال زيارة لوفد سياسي وصحفي أردني إلى فلسطين التقيتها مجددا عبر زيارة للإذاعة في بدايات التسعينيات، ومن ثم انتقلت تدريجيا إلى العمل التلفزيوني، وربما يقال انها ساهمت أكثر من ملايين البشر في خدمة قضية فلسطين، وما يجري في القدس والمسجد الأقصى، فلم تكن محايدة، بل بقيت منحازة إلى شعبها وقضيتها، وكانت هويتها المقدسية غالبة، برغم أن عائلتها انتقلت أساسا من بيت لحم إلى القدس، لكن القدس أم جامعة، تجمع كل الهويات في هوية واحدة، هي هوية المقدسيين والمقدسيات.

اغتيال شيرين أبوعاقلة في مخيم جنين كان برصاص إسرائيلي، الا أن الرواية الإسرائيلية الكاذبة تقول إنها برصاص فلسطيني، لان إسرائيل تدرك حجم فضيحتها على المستوى الدولي، لكن الاشكال الآخر يتعلق بالتغطيات الغربية لاغتيالها، فهي تغطيات منحازة تقول إن شيرين خسرت حياتها، بسبب اشتباك بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والإعلام الغربي الذي يدافع بشكل انتقائي عن حريات الصحفيين، تحول إلى شاهد زور في هذه القصة، وهو برغم احترافه، إلا أنه شاهد زور في حالات كثيرة، مثل موقفه مما يجري في أوكرانيا، وسكوته عما يجري في فلسطين.

العويل والبكاء لا يكفيان في قضة شيرين، وهي التي تسببت بحزن جارف في الأردن وفلسطين، ودول ثانية، فهي نجم متلألئة في سماء فلسطين، دخلت بيوتنا جميعا، بهذه الجرأة المهنية على مدى أكثر من عقدين، حيث وثقت كل الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية، ولا بد من تحرك على مستوى دولي قضائي وإعلامي من أجل تجريم الفعلة الإسرائيلية، خصوصا، مع سجل استشهاد العشرات من الإعلاميين الفلسطينيين خلال العقدين الماضيين، وطوال سنوات الاحتلال، لمعرفة إسرائيل أن تقديم الرواية الفلسطينية وتوثيقها، خطيرة جدا على إسرائيل وتعرقل انفرادها بالفلسطينيين، خصوصا، حين ينضم عشرات آلاف الأفراد العاديين بأجهزة موبايلاتهم وكاميراتها، ويوثقون كل اعتداء إسرائيلي، فالجرائم لم تعد مطلقة، وهذا أكثر ما يثير ذعر الاحتلال الذي أراد إيصال رسالة جديدة للإعلاميين، عموما، بكل هذه الدموية الإجرامية.

رحم الله الزميلة شيرين أبوعاقلة، فالمهندسة التي تركت تخصص الهندسة، مارسته لاحقا، عبر الإعلام، حين هندست سمعة فلسطين والفلسطينيين، عبر سنوات، عبر الإعلام، وجعلت هذه القضية حاضرة، بكل قوة، وانحياز، وجرأة، لتبقى القدس في بيوتنا ام المدن، وسيدتها أيضا.

شيرين لم تكن مجرد عابرة طريق في تاريخ فلسطين.

(الغد)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى