آراء وكتابهام

لما يكون التنظير بلا جدوى .. «أردنياً»

الحياة نيوز – سمير الحباشنة – التنظير في اللغة اشتقاق مرتبط بالنظرية، فواضعُ النظرية مُنظر، كما أن مؤيدها من أصحاب الاختصاص مُنظر أيضاً، والرافض لها كذلك، حيث يسعى الأول إلى الإتيان بحجج من شأنها إثبات تلك النظرية وإبراز أسباب تأييده لها، فيما يسعى الثاني إلى دحرها، بإبراز هناتها أو عدم فعاليتها.

في الفلسفة وعلى مر العصور، تعددت النظريات وتوالت، وبين كل نظرية ودحض أخرى لها، تبرز أسئلة وإجابات، وبين السؤال والجواب تكسب البشرية تقدما ما، كتحصيل للنشاط الفلسفي. وهو ما ينطبق على العلوم البحتة والإنسانية سواء بسواء. فقد منحت النظريات البشر خطواتهم نحو التقدم، وأن واحدة من أهم تجلياتها الثورة الصناعية وما تلاها من تقدم معرفي جبار..

إذاً.. فالتنظير ليس مسألة عبثية ولا ثرثرة كلامية، إنما هو نشاط العقل، الذي من شأنه أن يقود الإنسانية نحو التقدم، فنجيب على التحديات على اختلافها، وجوهر ذلك هو الانتصار على الطبيعة وتطويعها لخدمة الإنسان وحياته ومستقبله.

***

في الحالة الأردنية، فإن التنظير المجدي هو مسألة مطلوبة، كسبيل لأن نسير في الدولة في سياق علمي، فالأردن وشعب الأردن لديه تحديات كبرى وأسئلة ملحة تحتاج إلى إجابات، خصوصاً ونحن نعبر في بدايات المئوية الثانية من عمر الدولة:

هل لنا أن نحدد المسار النظري الأسلم الذي يجب أن يسير به اقتصادنا الوطني؟

هل لنا أن نوائم نموذجا نظرياً تطبيقياً يرفع من قيمة الاقتصاد الأردني كماً ونوعاً؟

هل لدينا رؤية من شأنها أن تجابه آفة الفقر و البطالة؟

هل لدينا نظرية من شأنها الارتقاء بالإدارة الأردنية.. علماً بأن معضلة المعضلات «وطنياً» هي إدارية بامتياز.

هل لدينا نهج عملي لجذب الاستثمار وترشيق القرار الخاص به؟، لتُصبح البلاد جاذبة للاستثمار لا طاردة له؟!، ذلك أننا وبرغم حديثنا الدائم عن الاستثمار، فقد تراجع في الربع الثالث من العام الماضي بنسبة 55 %!.. ألم يكن هذا سبباً لأن نقف ونسأل أنفسنا كيف لنا أن نوقف التراجع، بل ونبدأ في التقدم نحو الاستثمار..

هل لدينا سياق عملي يُحقق تطلُعنا بتخضير الأردن؟، ووقف زحف الصحراء التي تتوسع باستمرار على حساب الرقعة الزراعية.

هل في جعبتنا ما يخضع الشركات الكبرى إلى خدمة المجتمع المحلي؟، أم أنها سوف تبقى جزراً معزولة مولدة للثروة في مجتمعات ومناطق هي الأشد فقراً في بلادنا؟!.

كثيرٌ هي المسائل المطروحة على العقل الأردني التي تحتاج إلى مسلك نظري تطبيقاتي ملح يعيد التوازن للتنمية في الأردن بشقيها الاقتصادي والاجتماعي، لنرتقي بالمناطق والأطراف إلى مستوى عمان، وهي مسائل تحتاج إلى فهم نظري مرتبط بالتطبيق بعيد عن الكلام المُنشى، وبعيد عن الاستنساخ لتجارب أخرى لا تشبه بلادنا لا من حيث المعطيات والظروف ولا الثقافة، ولا المطلوب منها أيضاً.

****

الغريب أن الكثير من نُخبنا وقادتنا السياسيين قد ابتعدوا عن هذه الأولويات الوطنية، وأدخلونا في نقاش عقيم لا جدوى منه متعلق بالهوية. وكأن الشعب الأردني صحا فجأة في الصباح وإذ به يسقط من السماء «بالبرشوت»، لا جذر له ولا تاريخ ولا ثقافة ولا حضارة ولا لغة ولا مئة سنة من بناء دولة قامت على أسسٍ راسخة يتمسك بها الأردنيون. تنظيرٌ بلا معنى وبلا مبررات، ومؤادهُ فقط تلك البلبلة في أوساط الناس.

***

بعد أن أنهينا أعمال اللجنة الملكية للتحديث، زرت أكثر من عشرين منطقة في الأردن من شماله إلى جنوبه، مدنه وأريافه وبواديه ومخيماته، لم يُطرح علي في أي من تلك اللقاءات موضوع الهوية، ذلك أن الهوية في ضمائر الأردنيين راسخة، وأنهم يعون هويتهم تماماً، ويعون أبعادها ومضامينها، ويمارسونها دونما فزلكة كلامية أو تنظير. لا فرق بين هذا أو ذاك، بين من ولد في الكرك وآخر في يافا، أو بين ذاك الشركسي أو ذاك المسيحي وذاك المسلم، أو ذاك من هذه الطائفة أو تلك.

فالأردنيون موحدون بهويتهم، وليس على أجندتهم البحث في هذا الأمر، لأنه أمرٌ بينٌ جليٌ لدى الناس وفي ضمائرهم..

وأن موضوع الإصلاح السياسي، يبقى نقطة ثانية بعد التحديات الكبرى التي يعيش في ظلالها الأردنيون، البطالة، الفقر، الخدمات المتراجعة في التربية وفي الصحة، وفي غيرها من القطاعات.

وبعد.. فأن الشعب الأردني بحاجة إلى تنظير عملي يُحاكي قضاياهم ويسعى إلى حلُها، بعيدٌ عن البروج العاجية ومنطلقاتها وأجنداتها.

لذا.. أرحمونا أيها السادة، فالهوية واضحة، والأصدقاء واضحون والأعداء واضحون أيضاً، وأن الأولوية اليوم، بتقوية الأردن مادياً وأجتماعياً، لأن القوي في الداخل هو بالضرورة قوي في الخارج، وليس من مصلحة أحد أن نُلفت أنتباه مواطنينا إلى شيء لا يعنيهم و لا يفيدهم.

والله ومصلحة الأردن من وراء القصد

(الرأي)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى