آراء وكتابهام

سكجها ينشر “كتاب العودة”، الجزء الأوّل: في مخيّم لاجئين إسرائيليين!

الحياة نيوز- باسم سكجها

(1)

الآن…
في يافا

إسمي: باسم ابراهيم باسم ابراهيم علي مصطفى الى آخر قائمة الأجداد: عبد القادر الكعكاني الدمياطي، الذي لُقّب حفيده مصطفى الأول بسكجها، وهكذا فقد صار اسم عائلتنا يقترن بهذا اللقب، الذي نحار جميعاً في تفسيره.

وأنا لست كاتباً، مع ان جدّي باسم وأباه إبراهيم وإبنه ابراهيم كانوا كتاباً وصحافيين، ولكنني أكتب الآن تنفيذاً لوعدٍ قطعته له: أن أسرد قصتنا مع يافا. قال لي في يوم: يا باسم، إذا منّ الله عليك بالعودة إلى يافا، فعليك أن تواصل ما بدأته أنا.. أنا كتبت عن الماضي مستبشراً بالمستقبل، وعليك أنت أن تكتب عن ذلك المستقبل، إن جاء في وقتك.

كان جدّي عجوزاً، وكنت طفلاً، وككلّ عجوز يحمل الإيمان المطلق، ظلّ يؤكد أن يافا ستعود في أيامي، والغريب أنه لم يكن أبداً من سكان المدينة الساحلية، فقد ولد بعد احتلالها، ومع ذلك كان يسرد لي قصصاً مشوّقة لا تنتهي عن شوارعها، بيوتها، عائلاتها، شاطئها، وكأنه عاشها، وأظنّه كان يعيد لي ما كان يسمعه من أبيه.

ولستُ أنسى أن حلمه كان أن يملك بيتاً صغيراً على شاطئ يافا، يكتب فيه مذكراته، ويمارس حياة الكسل حتى نهاية العمر، ولكن حلمه كان مستحيلاً، فقد مات في عمّان كأبيه، ودفن الى جانبه، في قمة جبل يُطل على الغرب، على فلسطين ويافا.

الآن، أنا في يافا…
أحقق حلم جدّي…

صحيح أنني لم استطع العثور على بيت محاذ للشاطئ، فقد تغيرت تفاصيل المدينة كثيراً، ولم تعد هناك أراض خالية مطلة على البحر، ولكنني وجدت شقة في الطابق الاخير من عمارة جميلة، جاهزة لاستقبالي، ويبدو ان سكانها تركوها على عجل، فالخزانات مفتوحة وفيها بعض الملابس، وأخرى متناثرة على الارض.
تملكني شعور انني غريب في مكاني، فأنا أحتلّ الآن مكاناً كان لي، وصار لغيري، وهو يعود الآن لي!

(2)

الآن…
في مخيم اللاجئين
الإسرائيليين

نادم أنا لأنني لم أتعلم العبرية، مع أن نصائح جدّي الكثيرة تضمّنت إلحاحاً على ذلك. الان، فقط، أعرف لماذا كان ذلك الإصرار، فَمَن تعلّم لغة قوم أمن شرّهم، وها أنا أقف أمام حائراً أستمع لرجل يهودي يحدثني بالعبرية، وحين وصلته كلماتي بالانجليزية بأنني لا اعرف لغته، سارع بالحديث بالعربية.

كنتُ في زيارة رسمية لمخيم لاجئين أقيم على عجل. لم يذكّرني مشهده من بعيد بمخيماتنا التي انتشرت في البلاد المجاورة، فهو محاط بالاسلاك الشائكة، وبالعربات العسكرية التي يعتلي كل واحد منها رجل مدجج بالسلاح، ومع الاقتراب بصعودنا التدريجي الى التلة التي تشرف على البحر، بدا المخيم وكأنه جزء من فيلم قديم حول الحرب العالمية الثانية.

على قمّة التلة قصر كبير دُمّر معظم اجزائه، وحوله مجموعة من البيوت الصغيرة، وعمارة سكنية، ومئات الخيم التي نصبتها هيئات دولية.

وصلنا الى القمة، بعد أن جاهدت سياراتنا للمرور عبر الطريق التي جعلت منها الدبابات درجاً، ومررنا بين الخيم التي تضمّ أكثر من ألفي عائلة، أبعد فيها الرجال عن النساء والأطفال، وهناك، عند مدخل القصر المهدّم، كان آمر المخيم في انتظارنا، وشاهدت مجموعة من جنوده يسبحون في بركة فارهة، ويطلقون أصواتهم العابثة، بعد ان تركوا اسلحتهم حولها.

بدا لي انهم يحتفلون بانتصارهم، غير مصدقين انهم يملكون الآن أرضهم. أول ما قاله الآمر لنا إن هذا القصر والبيوت حوله كانت تسمّى قبل الاحتلال الشيخ علي وهي قرية أجداده، وأخذنا، فوراً، الى الداخل لنفاجأ مع نزولنا درجاً تحت الارض بمغارة كبيرة، أقيم البناء الضخم فوقها، وقال: كان هنا ضريح وليّ اسمه الشيخ علي، يزوره الناس ليحصلوا على بركاته، وتحولت الى بار.

أضاف: لولا زجاجات الخمر المحطمة هذه لسألتكم قراءة الفاتحة على روحه الطاهرة.

تحوّلنا الى الطابق الثاني، المهدمة أجزاؤه، ومع صعودنا درجاً يملأه الركام، كنا نستمع الى شرح الآمر حول تفاصيل تحريره المنطقة، وعلى أرضية سطح المبنى كانت الدماء المتناثرة تشي بأن معركة رهيبة دارت هنا.

تركتُ المجموعة تتابع حديث الامر، ووقفت عند حافة السطح المشرفة على المخيم. لن أقول، هنا، بأنني شعرت بالشماتة، مع ان بعضها مرّ عليّ، ولا اقول إنني شعرت بالفرح، مع أن بعضه استحوذ عليّ لحظات، ولن أخفي، ايضاً، انني شعرت بالحزن، فالمشهد الذي ذكرني بما عاناه شعبي، جعل المشاعر تختلط في وجداني.

نحن في شهر أيلول، في نهاياته، وصادف أن اليوم هو عيد المظلة اليهودي، عيد العُرش كما يسمونه، ولهذا كان كل اللاجئين خارج خيمهم، وقد وضعوا مظلات صغيرة، وتحلقوا حولها، انتظاراً للمطر، بشارة الخير المقبل على اليهود في السنة المقبلة حسب اعتقادهم، وبعضهم أشعل ناراً صغيرة امام الخيمة.

كانت السماء رمادية، تتناثر فيها غيوم سوداء تشي بالمطر الآتي، وتذكرت انني استمعت في توقعات نشرة الطقس عن احتمالية كبيرة للأمطار محلية، فلم املك سوى الدعاء لربي ان لا يأتينا مطر اليوم: يا رب، فلتمحل الدنيا اليوم، وليأت الطوفان غداً.

ساستعجل القول، الان، وأعلن ان الدنيا لم تمطر ذلك اليوم، مع انها ظلت تفعل ذلك على مدار قرن من الزمان، وهكذا فالرب غاضب، فعلاً، على بني اسرائيل، وكان عليّ أن أفترض أنه راض عنّا بعد طول غضب.

المهم، واصلت افتراقي عن المجموعة، ونزلت الى المخيم، في جولة أصر الآمر ان يرافقني فيها عسكريان للحماية. بدأتُ في الجانب المخصص للذكور، فاقتربتُ من مجموعة أشعلت النار في حاوية زبالة، وجلست حولها. ألقيت التحية بالعبرية، قلت لهم: شالوم، فتطلعوا في وجوه بعضهم البعض، ولم يرد أحد منهم. تركتهم لأصل الى مجموعة اخرى وضعت قطعة قماش كبيرة على اربع عصي وكأنها عريش، في رمزية انتظار المطر، واشعلت ناراً صغيرة. ألقيت الشالوم عليهم، فرد واحد بصوت اقرب للسخرية منه لإعادة التحية، قال: وعليكم الشالوم، وضحك لأسمع بعدها ضحكة جماعية. تركتهم، وانحرفت في زقاق بين الخيم المتناثرة، لتقابلني مجموعة جديدة، اقتربت منها وقلت: شالوم، ليقف ذلك الرجل، ويأخذ في التحدث معي بالعبرية.

سارعت الى الحديث بالانجليزية، وقلت: انا لا أتحدث العبرية. ردّ عليّ بعربية بدت وكأنها آتية من ابن فلاح فلسطيني قح. قال: تظنّون أنّكم عدتم إلى فلسطين، مع أنّها إسرائيل الآن، وها نحن ننتظر ما ستقدّمه الأمم المتحدة لنا، كما قدّمته لكم، من غوث لاجئين، ولكنّنا لن نرحل كما رحلتم…

أجبته: سترحلون، كما أتيتم، وسيبقى منكم من كان أجداده هنا معنا، وأعطيته قطعة بسكويت مطعّمة بالشكولاته، فقبلها، لأنّ الجوع كان أكل معدته الفارغة…

وللحديث بقية!

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى