آراء وكتابهام

سكجها يكتب: 60 عاماً مع شيخ الشباب عبد الله الثاني

الحياة نيوز – باسم سكجها – لعلّني كُنتُ أوّل من استخدم عبارة :”العهد الجديد”، في عنوان عريض للصحيفة، يوم حَلف الملك الجديد عبدالله اليمين أمام مجلس الأمّة، بعد رحيل والده الحسين بثلاث ساعات، وكلّنا يتذكّر ذلك المشهد البهي المؤثّر، حين توقّف الإبن أمام الصورة الكبيرة للأب، وقدّم التحيّة العسكرية.

كان المطر ينهمر مدراراً على الأردن، فكتبت مقالة بأنّ السماء تبكي على الحسين، وفي الوقت نفسه، فهي تُبشّر بأنّ الخير مقبل مع عبدالله، ولم تمض سوى أيام الحداد الرسمي، حتّى جاءتني دعوة للغداء على مائدة الأمير علي بن الحسين، ولم يكن هناك سوى ستة صحافيين، فأبلغنا سموّه بأنّ الملك كان يريد الإنضمام، ولكنّ المشاغل منعته، وقال بالنصّ: حمّلني رسالة لكم مفادها اكتبوا ما تشاؤون، مهما كان صريحاً وجريئاً ما دام حقيقياً، وستكونون في حمايته.

أيامها، كُنتُ شبه مقيم في المحكمة، حيث تسع قضايا حكومية تتعلق بالنشر وحرية التعبير، وسرعان ما أصدر الملك، الذي أضيف إلى إسمه الثاني، قانون العفو العام، الذي جعلني حُراً بشكل كامل، فكتبت مشبّهاً نفسي بالعصفور الذي أطلق من القفص!

لا أدّعي بأنّ علاقة ما ربطتني بعبدالله الثاني، قبل تسلّمه الحكم، ولكنّني كُنت أعرف عنه الكثير، فقد حكى لي الصديق فيصل الفايز، مثلاً، كيف سافر معه مرّة، وكان مدير مكتبه، إلى خارج البلاد في مهمّة رسمية، فلم يكن يحمل سوى حقيبة ظَهر تحتوى قليلاً من الأغراض، وعاد بها كما هي، في الدرجة السياحية العادية، كما حدّثني عن توقّفه في طابور المسافرين، وعن اهتمامه بدقة المواعيد، والتركيز في الحديث على الخلاصة، دون تزيّد أو لغو!

لا أدّعي ذلك، ولكنّني أستعيد الصور عندي لأكتشف بأنّ عشرات المناسبات جمعتني بجلالته، ولعلّ أوّلها كان في مكتبه الشخصي مع وفد مصغّر للشفافية الدولية، بعد أشهر قليلة من تحمّله المسؤولية الأولى، وآخرها قبل أشهر قليلة مع اللجنة الملكية لتطوير الحياة السياسية، وهكذا فنحن نتحدّث هنا عن نحو ثلاثة وعشرين عاماً.

كتبت، غير مرّة، بأنّني لم أكن في حال من الأحوال قادراً على الحديث العفوي أمام الحسين، مع أنّ مناسبات عدّة جمعتني بالراحل، فالأبوّة ظلّت تحكم علاقة كاتب وصحافي شاب يتحسّب، فيظلّ مستمعاً أكثر منه مشاركاً برأيه، وعليّ أنّ أعترف أنّ طويل العمر عبدالله الثاني كسر هذا الحاجز عندي، وجاعلاً من الواحد منّا محاوراً، كما الأخ مع أخيه.

في يوم مبكّر، من عُمر حكمه المديد بإذن الله، جمع شباب الديوان الملكي خلال مناسبة في البحر الميت الصحافيين الأجانب، لجلسة مفتوحة مع الملك، وفوجئت بأنّني الصحافي الأردني الوحيد، وكانت الأسئلة بالطبع عن الوضع الخارجي، ولكنّني كما غيري سألت بانجليزية محترمة، ولكن عن الوضع الداخلي، فكانت مناسبة لأن يشرح الملك توجهاته لهؤلاء، ولا أنسى أنّه شدّ على يدي، وأيضاً فقد شكرني الكثير من الزملاء الأجانب، لأنّه فاتهم هذا الأمر.

وفي يوم مبكّر، أيضاً، جمع جلالته نحو عشرة زملاء في بيته الأوّل، بيت البركة، على مائدة غداء أعدّتها جلالة الملكة، و بحضورها، وطلب أن يكون الحوار صريحاً كما ينبغي، وذلك ما صار، وهذا ما هيّأ لقرارات مهمّة، وفي يوم آخر، وكان ذلك في بيته في العقبة، ضمن مكتبه الصغير، أخطأ مسؤول مهمّ في ذكر إسم منطقة سيتم تطويرها هناك، فأوعز فوراً بتغييره، وفي يوم وفي بيته الجديد، بيت الأردن، وبعد عودته من خطاب الكونغرس الشهير، طلب الملك من الحضور وجلّهم من أركان الدولة أن يبتعد الحديث عن الشكر، لأنّنا سنواجه حملة صهيونية، ولكنّهم قالوا الكليشيهات المعروفة، فسمح لي بكلمة طويلة، لاقت استحسانه، وذلك ما حدث في مناسبات غيرها.

لا تحتفل أسرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله ابن الحسين المعظم الصغيرة وحدها، بعيد ميلاده الستين، بل نحتفل كلّنا بمناسبة عزيزة غالية، فهو الأب الغالي للغالبية الغالبة من شبابنا، والأخ العزيز لبعضنا، وشيخ الشباب للجميع، فكلّ عام وهو والأردن بخير، وهو حديث غيض من فيض، وللحديث بقية!

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى