آراء وكتابهام

الدكتور بَدرانْ .. غَضْبانْ .. لأن التَعليمَ .. مُهمَلْ ويُهانْ

الحياة نيوز – بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه
( الجزء الثاني والأخير )

لا أدري ماذا أفعل ، كل فصل من هذا الكتاب يستحوذ على إهتمامي ، وأجد رغبة شديدة بعدم الإنتقال للفصل الذي يليه ، وعندما أنتقل الى الذي يليه أغوص به .. وهكذا . لذا وجدت نفسي مضطراً للإكتفاء بالتأشير على العناوين ما أمكنني ذلك .

وصَف المؤلِّف العلاقة بين الحُكم والإدارة بالعلاقة الغائمة !؟ مشيراً الى ان طبيعة الحُكم السياسي ، وما يرافقه من قوانين وأنظمة ومؤسسات ، تترك أثراً بالغاً في عقل المتعلِّم ونفسيته وإستعداده للحركة والمشاركة ، إضافة الى تأثيرها في فلسفة التربية والتعليم . النظام الديمقراطي الحُرّ يسمح بانطلاق الإنسان في فكره ، وعمله ، وعلمه بكامل الحرية في حدود القانون ، بينما الحُكم السلطوي يؤثر في الإعلام ، والثقافة ، والتربية والتعليم تأثيراً بالغاً يجعله يردد ما تقوله السُلطة من وصف للحاضر ، وسرد للتاريخ كما تريده السُلطة وكأنه حقائق مطلقة لا تقبل النقاش او النقد ، وهذه مسألة في غاية الخطورة من حيث تأطير ديناميكية التعلُّم وتكوين شخصية المُعلم والمُتعلِّم . وهنا يطرح المؤلِّف سؤالاً هاماً جداً ، حيث يتساءل :- هل يعود ضَعّْف معظم الدول العربية إقتصادياً ، وسياسياً ، وعلمياً ، وتكنولوجياً الى النمط السلطوي في الحكم والإدارة ؟ وتأتي الإجابة صادمة : نعم الى حدٍ كبير .

تطرّق المؤلِّف الى حركة التأليف ، وأورد جدولاً يبين عدد الكتب الجديدة سنوياً ، كتاب / لكل مليون من السكان للفترة من ٢٠٠٨ — ٢٠١٢ ، وهنا أذكر مثالين : العدو الصهيوني ( ٩٠٦ كتب / لكل مليون نسمة ) ، بينما الأردن ( ٥١ كتاباً / لكل مليون نسمة ) !؟ أما عن التصنيع والتعليم والتزامن ، فيقول : من الملاحظ في المنطقة العربية وغيرها من الدول النامية ، التي لم تنهض بعد ، ان المجتمع بمؤسساته الإقتصادية ، والتكنولوجية ، والهندسية ، والادارية ، والثقافية ما يزال في مرحلة ما قبل الصناعة في الثقافة ، والإنتاج ، والمفاهيم ، والتطلعات ، وهو في مرحلة ما قبل العِلم في المرجعية لإتخاذ المواقف وصنع القرارات .

أما هنا فانه يطرح مفهوم العقل العلمي حسب تعريف / غاستون باشلار : (( بأنه العقل او الإنسان الذي يسأل ، ويتساءل بحرّية ودون قيود عن كل شيء حوله ، او يعيش به ، او يراه ، او يتخيله ، او يفكر فيه ؛ إبتداءاً من جوهر حياة الإنسان ، مروراً بأية أحداثٍ قد تقع ، ومختلف الظواهر الطبيعية ، والإجتماعية ، والإنسانية ، وإنتهاءً بالكون والخليقة )) . وهذه حقيقة جوهر القيمة المضافة في التعليم ، والتربية ، والتأهيل على شتى المستويات وفي مختلف التخصصات . وعليه فهو يطرح دعائم العقل العلمي للفرد ، وهي : – ١ )) التساؤل ، والإستطلاع ، والتشكك بمفهوم ايجابي ، والرغبة في معرفة الحقيقة وهذه الدعامة هي مدخل الفلسفة والمنطق . ٢ )) الإستناد في الإجابة الى قواعد العلم وقوانينه المستقرة ومتابعة المتغيرات والإكتشافات . ٣ )) فرز المقولات وعدم إدراجها مباشرة كمرجعية في تحديد الموقف ، او صنع القرار وإنما العمل على تمحيصها ، وتدقيقها على طريق الحقيقة . ٤ )) الدخول الى العمق في العلاقات التي تربط الأشياء او الأحداث بعضها ببعض وما ينتج عنها من تركيبات او أنظمة جديدة للخروج بالصورة المتكاملة . ولكي يكون العقل علمياً فانه يترتب على صاحبه إستخدام مجموعة من الآليات التفكيرية تأتي في مقدمتها : أولاً :- ان يكون التفكير نقدياً بمفهوم إيجابي وبموضوعية ، وهذا من أحد شعارات وأهداف التعليم الحديث . ثانياً :- ان يتدرب العقل على الموضوعية في التفكير في إطارٍ من المرونة ، ودون التأثر بمقولات عاطفية ، او وجدانية ، او تجارب نفسية، او روايات وأقاويل . ثالثاً :- ان يكون هناك إستعداداً للبحث والتنقيب والإستقصاء والإختبار . رابعاً :- ان يكون هناك إستعداداً لتبادل النتائج والإجابات بشكل إيجابي مع الآخر .

كما تضمن الكتاب فصولاً عن : الفلسفة والمنطق / والثقافة المجتمعية : مفاهيمها ومكوناتها وكيفية النهوض بها / وعصر العلم والتكنولوجيا / واللغة والعقل العلمي والثقافة / وبُنية الإقتصاد الوطني / وهجرة العقول والمهارات / ومرونة المجتمع : كالإستعداد للتغيير ، والمرونة والتقدم والوصائية / والريادة والمشاريع / والفنون : صناعتها ، والمسموح والممنوع / واللياقة البدنية والرياضة / والثقافة / والتسامح : كمفهوم التسامح ، وتعليم التسامح ، وفضاءات التسامح / والتشريعات والممارسة / والمهارات : التعلِيمية ، والتعلُّمية ، والمهارات الرقمية ، والتكنولوجية ، والمهارات الشخصية والمجتمعية والتخصصية / ومهارة صنع الأشياء / المغامرة والإستكشاف / والمُعلِّم : في التاريخ ، ومُعلِّم المستقبل ، والمُعلِّم والمجتمع ، والمُعلِّم والتحولات المنشودة .

أنصح من يود قراءة هذا المؤلَّف القيم ان يعطي إهتماماً خاصاً للأرقام ، والجداول ، والإحصائيات ، لمصداقيتها ، وعلميتها ، وأهمية مدلولاتها .

لفت إنتباهي مقولة ل / جيمس هارفي ، عضو لجنة جاردنر لتميز التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية قالها عام ١٩٨٣ ، حيث قال :- (( لو أن قوة خارجية حاولت ان تفرض علينا الأداء التربوي التعليمي القائم حيث التراجع ، والتآكل ، والتهاونية مما يهدد صميم مستقبلنا كأمة وأفراد .. لأعتبرنا ذلك بمثابة حربٍ علينا )) .

وقبل الختام ، أرجو من القراء الكرام التمعن في هذا التساؤل الذي يطرحه المؤلِّف :- [[ عند النظر الى الحالة العربية بكل ما فيها من تراجعات ، ونزاعات، وحروب أهلية ، وتدخلات أجنبية ، وحكم سلطوي ، وغياب للديمقراطية ، والإعتماد على الآخرين في كل شيء إبتداءاً من الماء ، والغذاء ، والدواء ، وإنتهاءاً بالأجهزة والمعدات . يتساءل المرء : ما الذي يحدث !؟ لماذا لا يظهر أثر للحكماء ، والعلماء ، والعِلم ، والمتعلمين في المجتمعات العربية !؟ وبالتالي : هل قام التعليم في الوطن العربي بدوره كسلاح فعّال للتغيير !؟ ]] أجيب أنا شخصياً على هذا السؤال الكبير الخطير ، نيابة عن المؤلِّف ، وأقول : أنظمتنا هي سبب دمار الأمة العربية ، لأنها أنظمة رهنت نفسها وأوطانها للغرباء ، مقابل ثمن بخِس يتمثل في بقائهم على عروشهم ، التي جلبت لنا الخراب ، والدمار ، والتخلف .

يُسعدني ، ويشرفني ، ان أتقدم بالشكر الجزيل للمؤلِّف معالي الدكتور / ابراهيم بدران ، على جهده المتميز ، الذي أثمر بإصدار هذا المؤلَّف الإرشادي ، التوجيهي ، التوعوي لتطوير أساليب ، وآليات التعليم ، لننهض بعد سُباتنا الذي طال ، وتخلُّفنا الذي تجذر ، وهواننا الذي إستهويناه ، وإستعذبناه .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى