اخبار منوعة

شعرية الأشياء في نماذج جزائرية معاصرة عبد المجيد محبوب وعثمان لوصيف أنموذجا

الحياة نيوز ـ الأستاذة الدكتورة : بايزيد فطيمة الزهرة ـ يقول الشاعر الكبير محمود درويش في ديوانه الموسوم بـ” في صحية الأشياء”: ” كنا ضيوفا على الأشياء أكثرها أقل منا حنينا حين نهجرها النهر يحكي إذ تبكي مسافرة مري فأولى صفات النهر آخرها لا شيء ينتظر الأشياء غافلةٌ عنا ونحن نحييها ونشكرها لكننا إذ تسميها عواطفنا نصدق الاسم، مثل الاسم جوهرها نحن الضيوف على الأشياء أكثرنا ينسى عواطفه الأولى وينكرها”. مدخل: يشير الفيلسوف ميشيل فوكو في كتابه (الكلمات والأشياء) بقوله:” أن هناك موجودات في العالم بدأت تأخذ عن الإنسان حواسه، وراحت تمارس دوره كما يجب، بدأ هذا الشعور يسري في النفوس مع اكتشاف حقيقة عقم المبادرات البشرية على الرغم من تعاظم المطامح ووفرة وسائل العمل…هذا الاكتشاف هو الذي فضح مفهوم الإنسان”. إن مهمة الشاعر إذ هي كسر تلك القيود التي تعيق بدءه بخلق ما هو جديد، فالشاعر يبدأ حين ينتهي الإنسان، أي خلق ما لا يوجد، ويطالعنا كثيرا بعده ورؤيته للأشياء في القصائد الشعرية المعاصرة، ” فالشاعر يحاول أن يصل بالمعنى إلى ذروة عليا لكي يرى اللامرئي في الأشياء” فدرويش مثلا يرى ” أن الشيء لا يعود مرآة للإنسان بل يصبح هو نفسه مرآةً للشيء، فالشيء يرى الإنسان كما يرى الإنسان الشيء، ليصبح الإنسان صورة يرى نفسه بنفسه في الأشياء فيتكشف العالم كله”. يلجأ الشاعر المعاصر لاستعمال الأشياء مجازا كي يتناغم معها فيكشف برحة تلك الشفافية الحاصلة بين الأشياء، وذات الشاعر حتى نقر من القراءة الأولى أن الأشياء تعلم عنه ما لا يعلمه هو عن ذاته، يقول الشاعر الإنجليزي ( جون كيتس John Keats ) عن نفسه :” إذا رأيتُ عصفورا في نافذة حجرتي كنتُ جزءا منه أنقر معه الحصى كلما نقر”. والطبيعة جزء من الأشياء التي يمكن أن نقف عندها في نماذج الشعر المختارة للشاعرين حيث تمنح لغة القصائد شعرية الكلمة والأشياء فتنعتق فضاءات الشاعرين إلى روافد ثقافية متعددة المشارب نكتشفها من خلال محطات الدراسة. ولعل دراستنا للأشياء تنبني آفاقها على حدود معلومة وفق خارطة الكلمات التي تنحصر في العنوان والفضاء –المكان- والشخصيات، والتي غالبا ما تكون هذه الأخيرة مستمدة من الواقع، فتأخذ الأشياء كساءً من الواقع الحسي لتتوحد بذات الشاعر وتصبح ناطقة بلسان حاله، حيث تتفجر لغتها بالبوح وفق جمالية شعرية تنزاح فيها من الواقع إلى الواقع المفترض أن يكون. محور أول: الذات والأشياء إن ذات الشاعر هي القوة الفاعلة في نسج الكلمات، ولئن كانت الأشياء جزءًا من اللغة فإن لها دلالات عميقة أراد بها الشاعر أن تعبِّر عنه فما هي إلا صورة فوتوغرافية حية تدعو إلى التأمل في عمق الدلالات التي أراد.” فالشعر انفعال بواقع، واستحضار لوجود ومحاورة لموجودات من أجل التعبير عن تجربة وجدانية من خلال واقع معين، هو في الأصل واقع الشاعر نفسه…” فالذات في الأدب أحاسيس كثيرة تلتبس بموضوعاتها، غير أن هذه الجزئية تحيلنا إلى الناقد الأمريكي (إليوت) الذي خالف الفهم السائد للشعر بأنه تعبير عن عاطفة قالك:” إن الشعر هروب من العاطفة لتحويلها إلى فن”6 ، حيث يقدم هنا رؤية أخرى وهي فكرة (المعادل الموضوعي) حيث تتنحى الذات جانبا وتشكل معادلا يربط بين الواقع والذات، حيث يفتح الشاعر حوارا مع الموجودات ويسكب روحه ليخلق واقعا كما يشاء هو حيث يقول إليوت:” إن الطريق الوحيد للتعبير عن الشعور في شكل فني هو إيجاد معادل موضوعي له أو مجموعة من الأشياء، تؤلف مكونات ذلك الشعور المحدد.” 7. لقد عشـتُ دهـرًا و الحـياةُ رتـيــــــــبــــــــــــــــةٌ * فـلا حُلُمًا تسـعــــــــــــى إليـه مـــــطـامـعي فـلــــما اِلـتــــقـــــيـــــنا و اعـــــتـــرتــــنا نســــائـــــمٌ * تــــــــــنامـت لـديَّ للـــــــــــحـيـاة دوافــــــــــــعي و كنتُ اعتـقـدتُ الحـبَّ مات بداخلي * و أنَّ تــــــــــــراب المـلح ســــــــــدَّ مـنــــــــــــــابـعــــي فـــــــــجـاءت إلـيَّ بالـــــــــــورودِ تـلـــــفـــــــنــــي * و راحت بعطر الروض تلغي فواجـعي أمـرُّ عـلى ذكـرى اللــــــــــقاءِ ببـــــــــــــسـمةٍ * فيــــــــورقُ حـــــلمٌ كالقـــــــــــصـــــــــــيدِ بواقـــــعي كـأني ملـكتُ الكـونَ يـوم عشقــــــــــتُـها * و صـرتُ نـبـيا أســـــــــتـلذُّ مواجـــــــــــــــــــــعي القصيدة للشاعر عبد المجيد محبوب بعنوان (عائد من زمن اللاشيء) حيث تلتقي الأشياء عن قاموس الطبيعة هنا لتكون عالم الشاعر باحتراق، حيث يحترق الحرف شوقا ويلهبُ الشعر ُ ذائقةَ المتلقي، فتحول الذات الرتيبة هنا والتي كان الحلم فيها مستحيلا بعد اللقاء، تجد تحول كلي لذات الشاعر ولعل ما زاد هذه القصيدة شاعريةً تعالق الذات الشاعرة بالأشياء وفق توافق تام، حيث يصبح الشيء هو الحلم، الأمل، هو الشاعر نفسه أي تحس ما يحس وترى ما يرى (نسائم، وحصل بعدها تنامت لدي الحياة) أي بفعل النسائم، ثم يؤكد: “كنتُ اعتقدت الحب مات بداخلي” ثم ما يجعل الشيء الجامد بعدها يؤجج الموت هو قوله: “أن تراب الملح سدَّ منابعي” وارتبط الملح بالعين، هذا الشيء القابل للذوبان جعله الشاعر سدا منيعا للدموع. ثم يذهب إلى الورد هذا الذي قيل فيه الكثير أنه رمز الحب والأمل فيترك لنا تأكيدا آخرا على أن الورد يلغي الفواجع حين يكون هذه الورد من الحبيبة، وبذلك فهذا الشيء هو أغلى هدية ثم يؤكد واقعا مختلفا حين يتذكرها في أول لقاء فيورق الحزن والخوف في تناغم جميع الأشياء لديه بضدية، حيث يكون ولا يكون ويملك ويفقد حيث يقف في الأخير بجمالية ضدية في كونه مَلَكَ كل الكون يوم لقائه بها فصار يستلذ كل المواجع في ذاته بها. تحولت كل من (الملح، الورد، النسائم، …)إلى معادل موضوعي يحيلنا إلى ذات الشاعر التي تبوح بآلامها وأمالها في زمن الصمت والعودة من اللاشيء. وحين نعرج إلى ديوان الشاعر الكبير عثمان لوصيف رحمه الله الموسوم بـ( جرس لسماوات تحت الماء) نختار نموذج قصيدة (تنزلقين) صفحة 106 تنزلقين على وبر اللحظات غمامة من الريش والتعاريش يا نسغا يتوهج في جذور اللغة يا سنبلة مائية تتسرب بين أجفان الشعراء ويا شنشنات البرق إذ يرتطم بالقرطاس تنزلقين على مدى ذراعي شجرة يقطين الجمر الأزرق يشعر في أحشائي ويشعر ماء الليل تمتد أحزاني ألسنة من اللهب. يتعانق الحب بين السماء والأرض فتتوهج اللغة ضاربة في شاعرية ممتدة الأفق وفق انزياح لغوي أخاذ حيث تلعب الاشياء المأخوذة من قاموس، من قاموس الطبيعة والتي ترمز إلى ساكن ضارب عن الحب في الذات الشاعرة ، أو في الأعماق حيث تنشق كل العناصر الحارقة لتحرق ذلك الشعور فيزداد ارتطاما بوهج الحب (البرق، الجمر، ماء الليل، السعير، ألسنة اللهب،…) كلها عناصر ضاربة تعبر عن حرقة الذات الشاعرة، وما هذه الأشياء التي عبرت عنه إلا كونها لعبت دور المعادل الموضوعي في تعبيره عن الواقع حيث لم تستطع الكلمات العادية التعبير عنها في صورة كبرى ” تنزلقين على وبر الكلمات” وكيف للحظات أن تصير وبرا تنزلق عليه حبيبته فتصير أشياء أخرى أكثر جمالية من الوبر وأكثر نعومة وطراوة وحنانا(غمامة كالريش والتعاريش)، والريش أكثر جمالية (تنزلقين على مدى ذراعي شجرة يقطين) وقد ذُكر اليقطين في قصة سيدنا يوسف عليه السلام حيث أُخرج من الغم إلى مكان عراء فرزقه الله بشجرة من يقطين فورقه كثيف وكبير يستر عورته ويحميه من أشعة الشمس الحارقة، كما أن ثمره لا يحتاج إلى نضج ويمنع الشعور بالعطش ويعدل المزاج الشيء، لذلك شبه حبيبته بشجرة اليقطين كونها تخرجه من الغم إلى الفرج ويكسر شوقه الصورة العادية الرتيبة فالجمر عادة لونه أحمر من لهب النار فيقول الجمر الأزرق: (الجمر الأزرق يشعر في أحشائي) وهنا يصبح الشيء بغير الصورة المعتادة أكثر جمالية في توحد ذات الشاعر بالأشياء كسرا لروتين الكلام وبعثا لجمالية اللغة لدى الشاعر. وحين نلج قصيدة (لها دمي) للشاعر عبد المجيد محبوب في قوله: سيورق الملح غابات مـــن الأرق ويقــــطع الرمـــل أخــــباري ورائحــتـــــي كنسمة الصبح بالإحساس مرهقة لا تجرحوا مَلَكاً في الأرض يا أبتي تكتشف الدلالات العميقة الرمزية لرمزية الملح والرمل في القصيدة فهل فعلا يورق الملح؟ وهل يقطع الرمل الرائحة؟ انزياح هاته الأشياء وتحولها من مادة إلى إحساس يبعث لدى القارئ تساؤلات: كيف للشاعر هاته الرؤية والبعد الجماليين يورق الملح من غابات الأرق (الملح، الغابة) يجمعهما الأرق الحسي (ويقطع الرمل) من المفروض المكان أي يعرقل السير، يأتي هنا كسرٌ للواقع حيث يصير الرمل قاطعا للرائحة والأخبار. أشياء من الطبيعة صارت تعبر عن ذات الشاعر فتحس إحساسه وتقرب البعيد، وتدل على دلالات عميقة لا يمكن فهمها من القارئ العادي إلا إذا قارب الأشياء مع الأحاسيس التي وظفت وكسرت راهن الواقع لتذهب إلى ابعد توظيف لهاته الدلالة. إننا نقرأ الذات الشاعرة في الأشياء داخل النص لنشهد أنة الحياة عبر الشعر وذلك باشتراك الذات في تبادل مع أي نوع كان من اجل أن تبسط سيطرتها على المحيط، هذا الاشتراك يتيح للذات أن تواجه ذوات أخرى تحاورها، تنصت إليها، وتتواصل معها. فيجعل الشاعر عبد المجيد محبوب من العيون ذاتا أخرى في قصيدته (حديث إلى حمامة) حيث يقول: لعينيكِ عُمْقُ المدى… في اِمْتداد الصَّحارَى وسِحْرُ الغروبِ وحزنُ الحيارَى فلا تعجبي إنْ وقفتُ طويلاً أمام المدى ورحتُ أفتِّـشُ بالصَّمتِ عنّي وعن وجهِ أمّي وعن وطنٍ ضاعَ فيه الرِّجالُ وباتَتْ ملوكًا عليه رموشُ العذارَى ولا تعجـبي إِنْ وددتُ بعيـنَيكِ نوما لأنسى اِنكساري قليلا وأحرقَ جُرحًا وأطفئ نارَا ولا تعجبي إِنْ سكبتُ عليكِ جنوبي وخالفتُ عُرفَ الحديث وطلَّقتُ شِعرَ الغزلْ فقد ضيَّعَتني الأماني وضِقتُ بوعد الصَّباح اِصطبارَا دعيكِ كما أشتهي بلادَ سنابلْ وأفـقًا يزيد كرفضي لمن يشتهونَ الظَّـلامَا ويبنون بالوهم للأشقياء ديِارَا صارت العيون وطنا، صارت صحارى، صارت غروبا، وصارت حزنا بكل هذا في كل امتداد ولعل الأفق يذهب بالشعور كبعد المدى في التصور، حيث امتداد المدى الصحارى يأخذ بالنفس إلى أبعد حد دون الإمساك به، وكذلك الغروب، لذلك صار الحزن ابعد غورا كبعد هاته الأماكن في التصور. صارت العيون أكثر حزنا منه تحمل عنه كل تلك الأحاسيس، صارت لغته في صمته، ووجود في الضياع، باتت رموش العذارى أوطانا تملك الرجال حين تاهت فيها، قمة التصوير من الشاعر حين تكلم عن العيون، وحين تصير وطنا ببعد صحاريه كل هاته الأشياء تؤثث المكان، وتؤنس الذات بشاعرية رائعة. * * * وحين نعود إلى الشاعر الراحل عثمان لوصيف رحمه الله في قصيدة (تتمشطين) من الديوان ذاته في الصفحة 144 إذ يقول: علا بين الشموس تتكسر بين أناملك طفونات تسيل خارج إيقاع الزمن أقفُ مشدوها وخائفا كما الأطفال زبدٌ أبيض يكسوني زغبٌ ناعم يغزوني ويتقاذفُ شعرك أمواجا يحوَّل إلى سمكة عاشقة وأنت تنسابين كما النهر وتتدفقين كما الشلال. ففي تصوير هذه الصورة الفنية الرائعة التي يمكن لو صورت كلوحة فنية لكانت من أجمل اللوحات تشكل الكلمات والأشياء في نفس واحد، حيث تأخذ دلالات مشفرة برمزية وانزياح فائقين إبداعا وشعرية يأخذ من قاموس الطبيعة رموزا متضادة (الشمس، الليل) ويكسر إيقاع الزمن بهما في انزياح بليغ. حيث يصير المشط وهو أداة تستعملها المرأة لتسريح شعرها يكسر أمواج شعرها المنسدل كخيوط الشمس بين الأنامل فيأخذ هذا الشيء –أي المشط- دلالات عميقة حيث يصبح أداة للجمال وكسر الزمن لدى ذات الشاعر فيقف مشدوها كطفل لا يفقه ما يرى أمامه، ثم يعود على وصف “الشَّعر” فيحول الزمن من النهار إلى الليل، فيصير الليل تارة أخرى موسيقى تسطع وهو كسرٌ لرتابة المعنى الحقيقي، فكلمة تسطع تعمق دلالة وجود النهار لا الليل فنقول تسطع الشمس للتأكيد، وهنا يصبح الليل موسيقى والشمس عطرا وهي عناصر حسه تحرك الذات في تناغم واضح (الموسيقى والعطر) من الأشياء المحببة للذات التي تجعلها تهيم حبا بالأمكنة التي تفوح عطرا وتتيح للإحساس كل الأشياء الجميلة عند سماع الموسيقى وبالتالي تصير هذه الأشياء معادلا للذات الشاعرة لتعبر عن ما لم يقله الشاعر في عالمه الطبيعي.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى