آراء وكتابهام

العين قطامين يكتب: الناس على ارصفة عمان وفي شوارعها .. أهداف مكشوفة للموت

 

د. نضال القطامين

لم تكن الأرصفة يوما سوى لحفظ الحياة وموطنا للورود. لكنها في البلاد التي ينضج فيها الجهل على مهل، باتت مصائد للناس وشراكا.

كتبت قبل نحو عقدين من الزمن عن مفاتيح لحلول المعاضل المرورية في عمان، وقد أمضيت مثلهما ويزيد، أكاديميا مدرسا ومشرفا لدراسات عليا في حقل الطرق وحوادثها، وفي المعاضل المرورية في المملكة وفي العاصمة على وجه الخصوص، وكل يوم، تخطر لي الكتابة لعمدتها معالي الصديق الديناميكي المفعم بالنشاط، عن بعض إشارات لمواطن الخلل فيما يراه الناس في عمان وفيما يصادفوه في كل شوارعها.

اليوم، في شارع المدينة المنورة وسط العاصمة، رأيت ما يراه المشاة في عمان كل يوم. يختفي الرصيف على أطراف الشار المعروف بشارع المطاعم، حيث تكتظ المطاعم والمقاهي وحيث يُترك المارة رهائن لانتباه قادة المركبات، المسرعة في الشارع، والمصطفة على جانبي الطريق.

في منتصف الطريق، حيث كنت أقود مركبتي ليلا، فجأة تقطع الشارع إمرأة مع طفلها، لأقف بشكل مفاجىء استدراك لحادث أليم، لكن الحادث وقع حين اصطدمت بمركبتي مركبة تسير خلفي تماما وكانت عاقبته أضرارا بليغة في المركبتين.

وفق تقرير الحوادث المرورية
(الكروكا)، فإن المتسبب في الحادث هي المركبة التي تسير خلف مركبتي، بوصف التتابع القريب، وهو سبب يحتمل تفسيراته في مجانبة الحقيقة، لكن المتسبب الحقيقي في دول العالم المتقدم، هي الجهة المسؤولة عن توفير ممرات آمنة للمشاة، وانعدام هذه الممرات هو السبب الذي أجبر المرأة على قطع الشارع في منتصف تدفق كبير للمركبات في ذلك الموقع، وتلك الجهة هي التي تتحمل المسؤولية الكاملة لهذا الحادث وآلاف الحوادث المشابهة تلك التي تكشف التقصير الكامل والإهمال غير المبرر وشواهده عدم توفر تسهيلات مرورية للمشاة على الأرصفة والشوارع والتقاطعات والدواوير.

وفي هذا السياق المهم، ينبغي على الكوادر التي تتولى التحقيق المروري (الامن العام) تبيان الأسباب الحقيقية التي تدفع بالسائق للمخاطرة بافتعال الحادث المروري، سواء كانت هذه الأسباب تتعلق بالطريق أو بأثاث الشارع أو بانعدام ممرات المشاة وغيرها، حيث تنهج الدول التي تسيطر على طرقاتها هذا النهج، ولا تترك للاحتمالات فرصا في تحديد المتسبب في الحادث.

بات واضحاً، أن ملف حوادث الطرق في الأردن بحاجة ملحّة لفتحه، وأول ما ينبغي قوله في هذا السياق، هو اعترافنا بأزمة كارثية تؤثر بشكل كبير على ارواح الناس كافه وفي الاقتصاد وفي التنمية.

أمّا سبب هذه الازمة، فأكثر من أن نحصره بسبب واحد؛ إذ يدخل فيه توزّع المسؤوليات على أكثر من جهة، وانعدام وجود مختصين ذوي نظرة شمولية مدربين على تحديد مواقع المشاة واستنباط الحلول الهندسية وتطبيقها وإعداد الخطط المرورية الهندسية، وليس آخرها التباطؤ القاتل في تأهيل الطرق وتأثيثها وتجهيزها.

المشاة في عمان يا معالي عمدتها مقهورون وأهداف مكشوفة للموت. لا خدمات ولا مواقع ولا ممرات عبور كافية أبدا، جسور مهجورة اعتلاها الصدأ من ندرة الإستخدام، فوضى عارمة وخسائر بشرية ومادية متراكمة وجهد إضافي للجهات المختصة.

وبالطبع فإن أمين عمان بصفته الوظيفية، هو المسؤول أولا وأخيرا عن ملف حوادث الطرق في العاصمة فيما يتعلق بالمواقع والأطوال والنقاط الخطرة، والواجب توفير كل السبل الهندسية الملائمة لمعالجتها حسب الأصول الهندسية، بالتراضي أن تنهض كوادره المتخصصة بالتخطيط الهندسي المروري وبتنفيذه، أما الأمن العام فتنحصر مسؤوليته فقط بالمراقبة والتأكد من التزام مستخدم الطريق سواء كان الراكب اوالسائق اوالمشاة وكلهم مشاه في لحظه ما.

واستدراكا للخرق كي لا يتسع على الرتق، بين يديك معالي الصديق مقترح باستحداث دائرة مختصة بالمشاة، تتشكل من مهندسين مختصين بتوفير مسارات هندسيه للمشاة تجبرهم على العبور والتنقل لمبتغاهم من خلالها فقط، دون فرصة الالتقاء والتعارض مع حركه المركبات، ومختصين لتضميد جراح النقاط المرورية الخطرة على حياتهم التي تسيل منها الدماء كل يوم.

كلما تغيّب المختصون عن مشهد علاج الازمة، كلما أوغلنا الدوران في الحلقة المفرغة.

دعونا هذه المرة نتوقف مؤقتا عن دور المواطن وثقافته المرورية وعن دور الردع والعقاب المطلوب أن يمارسه رجل المرور وعن رعونة بعض مستخدمي الطريق من السائقين، ونهتم بملف واح تنهض به أمانة عمان ويتمثل بتخصيص عدد من مهندسيها المبدعين وتدريبهم على فصل حركة المشاة هندسيا عن حركة المركبات، وهي خطوات ضرورية ومبادىء أساسية في هندسة المرور وغير مكلفة التنفيذ، وقد كانت من مواد التخصص الأساسية في الجامعات، على أن تنفذ ( بشكل عاجل) من خلال محاور أساسية تشمل:

1. تحديد أماكن لعبور المشاة، ووضع الحواجز لمنعهم من تجاوز هذه الاماكن سواء كانت على ألارصفة أو على الجزر الوسطية.

2. تعزيز وجود الجسور العلوية السهلة الاستعمال، والبدء بإنشاء أنفاق سفلية امنه مضاءة لاستخدام المشاة.

3. توسيع الأرصفة وتنظيفها من المعيقات سواء من الأشجار أو الردم ونقل الآرمات الارشادية لمواقع أخرى بعيدا عن الرصيف.

4. تضييق عرض الشوارع لخلق مساحات أكبر للأرصفة بحيث لا تتأثر السعة الهندسية لهذه الشوارع.

5. تحديد مواقع عبور المشاة على الشوارع وتسييج مداخلها ومخارجها لاجبارهم على استخدامها عند العبور.

الحلول الهندسية لهذه الأزمة المقلقة، متعددة ومتنوعة وممكنة وغير مكلفة، لكن الأهم من ذلك أنها تحتاج لأكثر من النوايا الطيبة للبدء بها.

أشفق كلما مررت بمدرسه على تلامذتها وكلما رأيت طفلا أو إمرأة أو شيخا، يغالب الجهد والمرض والتعب ويقاتل لعبور شارع، وأدعوا باسم كل المكلومين من معارك الحوادث، أن تخرج الجهات المعنية عن صمتها وتبدأ على الفور بالتنفيذ.

 

 

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى