آراء وكتابهام

الكرك .. وابن القُف الكركي

مملكة الكرك .. وإبن القُف الكركي
الكرك .. وابن القُف الكركي

الحياة نيوز – بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه

قبل أسابيع كنت في زيارة لعيادة الدكتورة القديرة / وفاء مدانات ، وقبل ان أعرض لها شكواي ومعاناتي المرضية ، قالت لي هل سمعت عن الطبيب / إبن القف الكركي ، أجبتها بانني سمعت عن عدد من علماء الكرك القدماء ، لكنني لم احفظ اسمائهم ولا اية معلومات عنهم ، فأبدت استغرابها ، واخبرتني بانها بصدد إعداد بحث علمي عن الطبيب الكركي / إبن القُف الكركي .

حفزتني الدكتورة / وفاء مدانات ، وبادرتُ بجمع معلومات عن الطبيب / إبن القُف الكركي . واليكم ما عرفته عنه : إسمه : أبو الفرج بن موفق الدين يعقوب بن اسحق إبن القُف الكركي ، المعروف بإبن القُف الكركي . ولد عام ( ٦٣٠ هجري / ١٢٣٢ ميلادي ) ، وتوفي عام ( ٦٨٥ هجري / ١٢٨٦ ميلادي) في مدينة دمشق ، ولد ونشأ في مدينة الكرك ، جنوب الأردن ، من عائلة مسيحية ، في زمن الملك / الناصر صلاح الدين داود . يقال انه من عائلة متوسطة الحال ، وانه كان يعيش في منطقة اسمها وادي بن حمّاد في الكرك ( وهذا الوادي موجود لحد الان ويحمل نفس الإسم ) . ويقال ان منزله كان يقع على جبل القُف ، قريباً من مجموعة من المغارات الأثرية . إشتهر والده بالكرم والسمعة الطيبة ، وحُسن السيرة . كان والده كاتباً في ديوان الملك الناصر في صرفند ، الى ان وصل الى مرتبة كاتب قاضي في المحكمة العليا ، وكان صديقاً لأهم الاطباء المشهورين في ذلك الزمان ، منهم ( إبن أبي أصيبعة) . تتلمذ إبن القف على أيدي علماء الكرك ، الى ان هاجر طلباً للعلم الى صلخد في سوريا . خدم وعمل في قلعة الكرك ، وفي قلعة عجلون ، وفي قلعة دمشق ، حيث عمل بالطب والتأليف ، وكان يمتلك عيادة متكاملة لمعالجة مرضاه ، وتمت ترجمة العديد من مؤلفاته الى لغات اخرى . ومن مؤلفاته : كتاب ( الاصول في شرح الفصول ) ، وكتاب ( الشافي في الطب ) ، وكتاب ( العمدة في صِناعة الجرّاح ) ، وكتاب ( جامع العرض في حفظ الصحة والمرض ) ، وكتاب ( الكليات من كتاب القانون لإبن سينا ) حيث احتوى هذا الكتاب ( ٦ ) ستة مجلدات رئيسية ، لكل مجلد موضوع وعنوان . وكُتبه موجودة في القاهرة ، والإسكندرية ، واسطنبول ، وباريس ، والهند .

إبن القُف الكركي ، كان طبيباً ، وعالِماً ، وفيلسوفاً ، كما ابدع في الجراحة ، التي مارسها ، حيث وضع أسس الجراحة التي كان يجهلها الاطباء . ويعتبر اول من ابتكر طريقة لجراحة طهور الأطفال ، وهو الذي ابتكر علاجاً للخوانيق لشد الحنجرة ، وعالج احتباس البول عن طريق (القاثاطير ) ؟ ، وقدم طريقة لإستئصال اللوزتين ، ووضع طريقة لاستخراج الجنين الميت من رحم الأم . وقد ادهش ابن القف الكركي العالم في ذاك الزمان عن طريق استخدام اساليب وطرق في الجراحة لم يستخدمها الجراحين في ذلك الوقت . وكان له دور واضح وكبير في تطور وازدهار الدولة في زمانه .

إشتهر إبن القف الكركي بعلمه الواسع ، ونباهته ، وذكائه ، كما كان سريع الحفظ والفهم ، الأمر الذي جعله ينجح في فهم وشرح كل مصادر الطب التي ظهرت في ذلك الزمان ، التي كان قد اخذها عن اساتذته ومعلميه . كما تأثر إبن القف الكركي بالعديد من العلماء الذين سبقوه مثل الرازي وابن سينا ، حيث ظهر هذا التأثر واضحاً في كتبه ومؤلفاته . كما اشتهر ابن القف الكركي بكثرة تنقله وترحاله طلباً للعلم والمعرفة . كما انه كان في اغلب الاحيان يسافر مُلبياً لطلب والده الذي كان يتنقل بهدف اتمام اعماله واشغاله ، حيث انتقل مع والده الى دمشق اكثر من مرة ، الأمر الذي جعله يستقر هناك ويُكمل مسيرته التعليمية . إشتهر ابن القف الكركي بالطب ، حيث استمر في دراساته وابحاثه الى ان اصبح طبيباً معروفاً وهو في ال ( ٢٩ ) من عمره ، حيث تم تعيينه طبيباً في الجيش ، وتم تكريمه وترقيته الى رتب عُليا ، الى ان اصبح بعد ذلك مُدرِّساً لطلاب الطب .

حقق ابن القف الكركي العديد من الانجازات والإكتشافات الطبية منها : انه استطاع ان يميز الآلام عن بعضها البعض ، الى ان توصل الى وصف التخدير وبيان اسبابه ودوره في تخفيف الآلام ، وهو أول من اقترح استخدام وحدات القياس لإتمام الفحوصات الطبية والصيدلانية ، كما انه اول شخصية طبية تتوصل الى وجود الشعيرات الدموية ، حيث افترض ان الأوعية الدموية البشرية ما هي الا نظام وعائي مغلق موجود داخل الجسم . كما استطاع تقديم شرح كامل وتفصيلي عن كل ما يتعلق بالقلب ووظائفه ، حيث بيّن وظيفة كل من صمامات القلب وعددها . كما اختص بكل ما يتعلق بعلم الأجنة . واهتم في عِلم التشريح ، وعِلم وظائف الاعضاء ، وعِلم السموم ، والطب السريري والطب الوقائي .

بقيت دراسات وابحاث الكركي قائمة حتى يومنا هذا ، حيث ان جزءاً كبيراً من إسهاماته وابحاثه الطبية والجراحية ما زالت تُدرَّس في الجامعات والمدارس حتى يومنا هذا .

كان من اساتذته : بيمرستان النوري الكبير / القيمري / شمس الدين الخسروشاهي / علي عزالدين الغنوي / نجم الدين بن المنفاخ / علي موفق الدين السامري / كما درَس كتاب إقليدس على يد / مؤيد الدين العرضي . قالوا عنه انه كان فاضلاً ، ماهراً ، بارعاً في الصناعة الطبية ، وكان حسن السمت ، كثير الصمت ، وافر الذكاء ، عالم بالطب والجراحة .

وهنا يسعدني ، ويشرفني ان أقتبس ، وأُزكي ، وأدعم ، وأتبنى إقتراحاً من الدكتورة / وفاء مدانات ، المتميزة ثقافة ، وعِلماً ، وخُلقاً ، والأصيلة نسباً ، ومحتداً ، وأطرحه بصيغة سؤال إستفهامي إستنكاري : لماذا لم يتم تسمية كلية الطب في جامعة مؤتة — جامعة القلم والسيف — باسم الطبيب الكركي / إبن القُف الكركي !؟ ولماذا لم تنشيء بلدية الكرك صرحاً ، او تمثالاً يُخلد هذا النطاسي الكركي البارع للتذكير والإفتخار به !؟

إعتدنا على الشطط في مؤسساتنا ، والإفتقار للمعلومة التاريخية ، والتنكر لكل ما هو جميل وناصع في تاريخنا . لماذا لم تُسمي بلدية الكرك أحد الشوارع الرئيسية باسمه !؟ بدلاً من الاسماء المُخزية والمُعيبة التي سُميت بها شوارع الكرك ، التي اترفع عن لفظها !؟ العالم باجمعه ما زال يذكر الطبيب البارع إبن القُف الكركي في كل المحافل العلمية والطبية ، وعندنا لا نُقيم وزناً لعلمائنا ، وادبائنا ، وشعرائنا ونُمعن في نسيانهم إما غباءاً ، او تغابياً ، او إنقياداً ، وإنصياعاً لأجندات غربية غريبة وصلت حتى فرض مسميات الشوارع .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى