غير مصنف

مِزاجِية .. وإنتِقائية .. التَكريم .. في المِئوية الأولى

الحياة نيوز- بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه

إعتلَّ الأردن ، ومرِض ، وأمراضه ، وإعتلالاته متعددة ، وكثيرة ، يصعب على اي حَصيفٍ حَصرها . ويستعصي علاج اغلبها ، لانها نخرت في جسده ، وانهكته ، حتى خارت قواه ، ولم يعد كما كان ، ولن يعود الى ما كان عليه .

لكن الأردن ، كان عزيزاً ، قوياً ، مُهاب الجانب ، يُحسب له حِساب ، ويُخشى اذا غضِب . وإن لم يتفوق على أشقائه من الاقطار العربية ، فانه كان بالتأكيد من بين الصفوة . حيث كان له حظوة ، ووجود ، وتأثير ، وكان متفاعلاً ، يُسمَع صوته ، ويُطلب رأيه ومشورته .

لكن تَربُّعِ الأردن على قِمة هذا التميز ، في المحيط العربي ، لم يأتِ صُدفةً ، ولا مِنحةً ربانية بدون سعي . لقد تأتى كنتيجة لجُهود رجال قادوا تلك المرحلة الذهبية من عمره ومسيرته . الاوطان لا ترَتقي عَبثاً ، ولا بالفوز بجائزة يانصيب كبرى ، ولا بالواسطة . الاوطان ترتقي بجهود وعطاء رجال المرحلة . ينحتون بالصخر للنهوض بها ، ويحمونها ، ويُبعِدون عنها القهر ، والنهب ، والضعف للإرتقاء بها .

حقبة الحسين الباني ، لم تكن وردية ، من ناحية القدرات ، والامكانات ، فلا امكانات ، ولا قدرات ، ولا ايرادات مُعتبرة ، ولا قروض المكشوف منها قارب ال(( ٥٠ )) مليار دولار . لكن كانت ايراداته فيها بركة ، فلا سرقات ، ولا إنفاق غير مبرر ، ولا تغيير لديكورات وكافتيريا الوزير التي تكلف (( ٢٥٠,٠٠٠ )) دينار ، وتتغير كلما تغير الوزير . المثل يقول : (( خُذّْ من التَلّْ بيختل )) — والتل هنا ليس الرمز الابدي السرمدي لكل اردني شريف الشهيد / وصفي التل — للتوضيح فقط . كانوا ، نعم كانوا ، حتى من كان طبعه الاسراف من ماله الخاص ، كان يُقتِّر في انفاقه من المال العام . كان للمال العام حُرمة شديدة ، ولا يجرؤ احداً على التعدي عليه . لذلك تم بناء الأردن بتميز ، ورقي ، حتى اصبح بالطليعة بين اقرانه .

هؤلاء الرجال ، البُناة ، الذين جَهِدوا ، وضَحّوا ، وأعطوا في تلك الفترة الزمنية من عمر الدولة الأردنية ، يُفترض ان يُشكل كل واحدٍ منهم تاجاً من الرفعة والفخار على جبين كل واحدٍ منّا ، وعلى جبين الوطن .

ووصل الوطن الى مئويته الاولى ، مُنهكاً ، تَعِباً ، خائر القِوى ، مُشتتاً ، تكالبت عليه كل الامراض ، بسبب تَسيُّدِ فئة غريبة ، جُلبت للوطن في غفلة ، لا تعرف هذا الوطن ، وما كان عليه من عِزة وكرامة ، ولا يعرفون رجالالته الذين بنوه ، ولا يعنيهم ، ولا يهتمون بذلك ، لا بل لم يُشْغِلوا بَالَهُمْ بِهِ ، وبِهُمْ ( برجالاته ) . لأن اهتمامهم كان ومازال محصوراً في التفنن بكيفية نهبه ، وإنهاكه ، وتضييعه . طبعاً هذه الشلة لم تدخل تسللاً ، ولا عنوة ، ولا خِلسة ، كما انها لم تدخل من الشُباك ، بل دخلت من الباب ، وفُتحت لها قاعات الشرف باحتفاءٍ وتعظيم وتكريم .

هذه الشِلة ، لا تعرف الاردن والاردنيين —ولا يهمهم او يعنيهم ذلك — لذلك هم لا يعرفون رجالاته ، الشرفاء ، الانقياء ، الذين ساهموا في بناء أردن الامس ، الذي ما زلنا نقتات ، ونجتر سُمعتهُ ، ونفاخر بِهِ ، وبِهُمْ . ومع كل الاسف ، هم الذين حدَّدوا أسماء من تم تكريمهم بمرور المئوية الاولى ، والانتقال الى المئوية الثانية . وكانت النتيجة ، ان عدداً غير يسيرٍ ممن يستحقون التكريم المتميز ، لم يتم تكريمهم . وفي ذاكرتي أسماءاً كثيرة ، حبذت عدم ذكرها ، لإستحالة الإحاطةِ بهم ، مما يُعرضني لِلَّومِ او الطعن بما ليس بي . وتم هذا التجاهل لأسماء مُضيئة ، مُشرِقة ، ومُشرِّفة ، لأسبابٍ شتى :- منها :- ١)) الإسقاط عن خُبث . ٢)) الاسقاط عن جهل . ٣)) الاسقاط عن تناسي . ٤)) الإسقاط عن حقد . ٥)) الإسقاط عن جهوية وفئوية . ٦)) الاسقاط عن عدم معرفة . ٧)) الإسقاط رغبة في انتقام . ٨ )) الإسقاط عن رغبة في إطفاء الإسم . ٩ )) الإسقاط عن غِيرة . ١٠ )) الإسقاط لإسقاط التاريخ . ١١)) الاسقاط عن تجاهل … وغيره .

مع ان من تم تجاهل او اسقاط اسمائهم قد تأكدت رِفعتهم ، وذياع صيتهم ، حتى بعد موتهم ، فقد عادوا للإرتقاء شعبياً ، وجماهيرياً ، ووطنياً . وهذا هو التكريم الحقيقي الذي أتى دون مِنة ، بل برفعة ، وترصعت جباههم بتاج فخار شعبي ، أثره ليس آني .

لله در من لم يتم تكريمهم إستعراضياً وآنياً ، وبِمِنَّة ، فقد حضوا بالحسنيين ، التكريم الدنيوي الشعبي الذي تذكره الاجيال وتتناقله المجالس ، مجالس المواطنين الاحرار ، وتكريماً اعظم وأجل وأرفع وأدوم ، انه التكريم الرباني الالهي العظيم السرمدي لنقاء مسيرتهم ، وسريرتهم ، وعِفة ايديهم . وهل هناك اعظم من هذين التكريمين !؟

ما حصل لا يثير الاستغراب حقيقة لمن يتفكر ملياً، وبدون انفعال . الذي حصل هو مجرد حلقة صغيرة من حلقات مسلسل استهداف الوطن ، للإطاحةِ به ، وبرموزه ، فلا بُد من النيل منه بتهميش رموزه الشرفاء ، الانقياء ، لان الوطن يستمد عِزته منهم ، ولإفراغ الوطن من كل غالٍ وثمين معنوياً ومادياً . وها قد نجحوا ، بتدمير كل ركائز عِزة الوطن ، فأبقوه خالياً ، خاوياً من كل شيء . وها هو يترنح ، وهو اقرب للسقوط منه الى الصمود . وأختم ببيتين للشاعر الكبير / محمد مهدي الجواهري ، حيث يقول :-
سينهضُ من صميمِ اليأسِ جيلٌ / مُريدُ البأسِ جبارٌ عنيدُ .
يقايضُ ما يكونُ بما يُرجَّى / ويعطِفُ ما يُرادُ لِما يُرِيدُ .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى