مدارس وجامعاتهام

بحث حول قانونية حبس المدين دولياً

الحياة نيوز – بقلم/ مايا عاصم الكردي
طالبة في الجامعة الأردنية/كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للدراسات الدولي.
التخصص العلوم السياسية.
المادة :- القانون الدولي العام .

تعريف المصطلحات :
الدائن في القانون و الاقتصاد : هو صاحب أو مالك الحق في المبلغ أو الشيء الذي يمثل الدين ، ولا ينحصر ليكون فرد ، إنما يتعدى ذلك ليكون حكومة أو مؤسسة أو شركة تمويل أو مجموعة من الأفراد ، بحيث يتم الإتفاق بين الدائن و الطرف الآخر على شكل عقد يقر فيه الطرفين بإعادة ما قام بإستلافه .

المدين في القانون و الاقتصاد : هو الشخص أو الكيان الذي عليه سداد دين إلى صاحب الدين وقد يكون الكيان شخص أو شركة أو مؤسسة أو حكومة ، ويسمى الطرف الثاني الدائن أو صاحب الدين .
إذا فشل المدين في سداد الدين ، فلا تعتبر جريمة إلا في حالات محددة ، ويمكن للمدين أن يختار سداد الدين بالأولوية التي يريد ،ولكن إذا فشل شخص في وفاء الدين ، فيكون قد مكث بالاتفاق و العقد الذي أبرمه الدائن .

الالتزامات التعاقدية : هي المسؤوليات القانونية لكل طرف مشترك في اتفاقية تعاقدية في العقد ، يتبادل الطرفان خدمة أو منتج ذات قيمة ، ولكن يجب الوفاْء ببعض التوقعات حتى تتم عملية التبادل ، ويتم تحديد هذه التوقعات من خلال شروط العقد .

العجز : أحد أهم الشروط التي يجب إثباتها لإسقاط أحقية السجن في حالة عدم سداد الدين ،
ويكون بإثبات عدم القدرة على سداد الدين المستحق ، من خلال الكشف عن الأموال المنقولة و غير المنقولة ، الأ ملاك ، الحسابات البنكية ، وما إلى ذلك …..

**********
المشكلة : عدم جوازية حبس المدين ، فجوة تطبيق القانون الدولي و تعارضه مع القوانين المحلية .

انبثق عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 :
العهدين : الخاص بالحقوق المدنية و السياسية .
الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .
اعتمدا العهدين وعرضوا للتوقيع و التصديق عام 1966 بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة
وكان تاريخ بدأ النفاذ عام 1976 .
بالنسبة للأردن ، فقد نشر العهدان في الجريدة الرسمية في 15 | حزيران | 2006
القانون الحالي النافذ ، وهو قانون التنفيذ الأردني ، في المادة {22} الفقرة {أ} :
{ يجوز للدائن أن يطلب حبس مدينه إذا لم يسدد الدين او يعرض تسوية تتناسب ومقدرته المالية خلال الإخطار على أن لا تقل الدفعة الأولى بموجب التسوية عن 25% من المبلغ المحكوم به فإذا لم يوافق المحكوم له على هذه التسوية فللرئيس أن يأمر بدعوة الطرفين لسماع أقوالهما ويقوم بالتحقيق مع المدين حول اقتداره على دفع المبلغ وله سماع أقوال الدائن وبيناته على اقتدار المحكوم عليه و إصدار القرار المناسب } .
فيتعارض القانون الداخلي مع المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية التي نشرت في جريدة الأردن الرسمية عام 2006 ، التي جاء فيها بالمادة {11} منها : لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بإلتزام تعاقدي .
والدليل على مخالفة قانون الأردن المحلي للمعاهدات و القانون الدولي ،
و سمو القانون الدولي على المحلي ، النصوص التالية :
المادة {27} من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تقول : لا يجوز لطرف أن يحتج بنصوص قانونه الداخلي كمبرر لإخفاقه في تنفيذ المعاهدة .
جاء في المادة {24} من القانون المدني الأردني : لا تسري أحكام مواد سابقة إذا وجد نص في قانون خاص أو في معاهدة دولية نافذة في المملكة الأردنية الهاشمية يتعارض معها .
إضافةً إلى ذلك ، صدر قراراً من محكمة التمييز الأردنية رقم 818 ـ 2003 الصادر بتاريخ 9 ـ حزيران ـ 2003 ، و التي جاء فيه : تسمو المعاهدات و الاتفاقيات الدولية مرتبة ، على القوانين المحلية ولها أولوية التطبيق عند تعارضها معها ، ولا يجوز الاحتجاج بأي قانون محلي أمام الإتفاقية .
**************
ومن هنا نستنتج بعدم جواز حبس المدين ، لأن القانون الدولي يسمو على القوانين المحلية للدول المصادقة على هذه الإتفاقيات .
وبالمناسبة تم اقتراح مشروع قانون معدل لقانون التنفيذ في مجلس الأمة السابق و إلى الآن لم يتم بت أي قرار قادم فيه أو تمريره للجنة المختصة لإبداء الرأي عليه .
* فقد أشار المجلس القضائي الأردني وهو أعلى هيئة قضائية مسؤولة عن الرقابة على القضاء ، إلى وجود 143 ألف قضية قضائية مالية مسجلة في العام 2019 في مختلف أنحاء البلاد .
* وبحسب معلومات أصدرتها دائرة التنفيذ الأردنية لعام 2020 ، فإن عدد المطلوبين للتنفيذ القضائي على قضايا مالية زاد 10 أضعاف في أربع سنين فقط ، من العدد 4,352 في عام 2015 ،إلى 43,624 في عام 2019 .

لذلك ألغت معظم دول العالم خارج الشرق الأوسط عقوبة حبس المدين ، ليس لأنها قاسية للغاية وتنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب ، بل لأنها أيضاً لا تؤدي إلى السداد بدلاً من ذلك ، يستهدف حبس المدين أولئك الذين ليس لديهم القدرة على السداد ، و يساهم في خلق دورات من الديون لا نهاية لها ، ويمنع حبس الفرد من كسب دخل أو إيجاد وسيلة لسداد الدين .
*******
تداعيات وآثار المشكلة :
1| يواجه أكثر من ربع مليون أردني شكاوى بسبب عدم سداد الديون ، فنسبة النزلاء في مراكز الإصلاح و التأهيل على قضايا مالية 16 % من عدد نزلاء السجون في الأردن عامةً ، بسبب القروض غير المسددة و الشيكات المرتجعة أو الكمبيالات أو أي التزام تعاقدي آخر .
2| إنتاج بما يسمى بالقروض غير المنظمة التي تسمح بالإنتهاكات . فيمكن شراء سند أمر { الكمبيالة } ببضعة قروش من مكتبة أو يكتب بخط اليد ، فتعتبر الكمبيالة عقد قابل للتنفيذ في المحاكم الأردنية ، و يمكن أن يؤدي إلى سجن المدين دون أن يمثل أمام قاضٍ . في حين أن البنك المركزي يضع حداً أقصى لأسعار الفائدة 25 % ، إلا أن المقرضيين غير الرسميين لا يخضعون لهذا الحد ويتقاضون ما يصل إلى 50 % وما أكثر .
3| بالنسبة لأرباب الأسر ، فإن السجن لعدم السداد سيؤثر على الأسرة بأكملها ، ما يحرم الأسر من وسائل لتأمين الضروريات الأساسية ، و يخلق مزيداً من الضغط الإجتماعي عليهم و على الدولة ، فقد خسروا وظائفهم و قدرتهم على إعالة أسرهم نتيجة سجنهم أو كونهم مدينيين .
5|حبس المدين يزيد العبئ الذي تواجهه السلطات الأردنية ، على كل شخص يحتجز بسبب عدم سداده الدين ، أو بسبب شيك مرتجع ، تدفع الحكومة الأردنية شهرياً 750 دينار مصاريف للسجين الواحد ، بحسب دراسة أجراها المجلس الإقتصادي و الإجتماعي في 2020 . بالإضافة إلى الضغوط التي يسببها الحبس على السجون و المحاكم المكتظة ، فقد أصبحت سعة السجون 200% بعد أزمة كورونا مما سبب بالعديد من المشاكل وأهمها الإكتظاظ الذي أدى إلى انتشار حالات فايروس كورونا في الداخل و زيادة الضغط على استهلاك الموارد من ماء و كهرباء و طعام و منام وموارد استهلاكية أخرى ، فإن بعض العائلات التي يسجن أربابها تصبح معتمدة على المساعدات الإقتصادية التي تقدمها الحكومة والتي تكون غالباً غير كافية و تسودها الفجوات .
6| وفقاً للبنك المركزي الأردني بحلول عام 2019 ، بلغ إجمالي الديون من المؤسسات المصرفية وغير المصرفية المنظمة 11,243 مليون دينار أردني ، وبلغت نسبة الشيكات المرتجعة لعام 2019 نحو 1.7 مليار دينار أردني .
7| معظم التجار و أصحاب الشركات الكبرى و رؤوس الأموال وصلت خسائرهم إلى حد المديونية بسبب التدني الذي وصلت إليه الحالة الإقتصادية و الخسائر في السنتين الأخيرتيين بما سببته كورونا ، مما انعكس على حركة التجارة و الاستيراد و التصدير ، و زاد من نسبة البطالة بسبب عدم قدرة أصحاب الشركات على دفع الرواتب للعمال وتدني نسبة التوظيف إلى النصف في كل القطاعات ، فقطاع التجارة من القطاعات الأكثرتضرراً من آخر التطورات العالمية ، ولهذا فإن القانون مرن ويتغيير بتغير الظرف و الحاجة الأساسية لهذا القانون ، فجاء مطلب تعديل قانون التنفيذ مواتياً لمطلب عدم قدرة الناس سداد ديونها ووقف التنفيذ عنهم هذا عدا عن أنّ حبس المدين لا يجوز دولياً ، و بالمناسبة صدر أمر الدفاع رقم {28} في 28 | آذار | 2021 الذي بموجبه يعلق حبس المدينين الذين لا تتجاوز مجموع ديونهم 100 ألف دينار حتى تاريخ 31 | كانون الثاني | 2021 ، و هنا التساؤل ، هل هذا التعليق يدل على حلاً قادماً لهذه المشكلة ، أم أنه مؤقتاً وتنتهي القضية بإنتهائه ؟

********
توصيات وحلول للمشكلة :
1| تمديد فترة إشعار السداد للربع القانوني عند عرض التسوية من 15 يوم إلى 30 يوم على الأقل ، و خفض الدفعة الأولى المطلوبة من 25 % إلى 15 % بموجب قانون التنفيذ الأردني السابق .
2| إلغاء المادة 22 من قانون التنفيذ الأردني ، التي تسمح بسجن المقترضيين المتخلفيين عن سداد ديونهم ، و إصدار تشريع يسمح للأفراد بتقديم إقرار بالإعسار الشخصي عندما لا يتمكنون من سداد الديون بما يتماشى مع أفضل المعايير الدولية .
3|ينبغي للجهات المانحة و المؤسسات المالية الدولية تقديم المساعدة الفنية للأردن لتطوير إجراءات الإفلاس التي تسمح بتخفيف عبء الديون بشكل فاعل ، و تمكين المقترض من أن يكون منتجاً اقتصادياً بما يشمل المعايير التي تتطلب من السلطات المختصة تقييم قدرة الفرد على السداد . و ينبغي للهيئات التي تمول مؤسسات التمويل الأصغر أن تضمن ألا تسعى هذه المؤسسات إلى سجن الأشخاص الذين يعجزون عن سداد دفعاتهم ، وذلك أن تضمن القدرة على المتابعة من المقترضيين لضمان خطط السداد التي تعكس قدرة الفرد على الدفع .
4| تحديد حد أدنى لمبلغ الدين كمؤشر فعلي على عدم القدرة على السداد دون الحاجة لإثبات ذلك ، و إلغاء عقوبة الحبس عليه .
5| إالغاء الحبس لمن هم فوق الستون عاماً ، واقل من ثمانية عشرة عاماً وهو مكفول بالقانون .
6| تفعيل العقوبات البديلة ، بدل حجز حرية إنسان بسبب عجزه عن السداد ، مثل العقوبات المجتمعية التي تعود بالفائدة على المجتمع أو منع سفره أو حلول أخرى تحد من هذه الآثار السيئة بسسب الحبس.
7| إعادة النظر في الصلاحية الغير محددة للقاضي في مدة الحبس بالقانون وهي تسعون يوم كأقصى حد ، و تنظيمها من قبل القانون بنصوص مكتوبة ، وفقاً لظرف الدين ووقته وسببه وقدرة المدين على السداد .
ومراجعة إعادة التنفيذ سنوياً على الدين الواحد .
8| التحقق من ملائة الكفيل من قبل القاضي ، و إعطائه مهلة محددة للسد عن المدين ،
فالكفيل هو توليد ومضاعفة للحبس وللمشكلة بحد ذاتها ، لأنه بالقانون إذا لم يستطع المدين السداد وتم التنفيذ عليه سيتم فوراً التنفيذ على الكفيل .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى