آراء وكتابهام

خيانة

الحياة نيوز – بلال حسن التل
تميزت الإدارة الأردنية سابقاً بالكثير من المميزات، فصارت نموذجاً يحتذى،كما كانت رافعة حقيقية لتنمية كل قطاعات الدولة، فمن رحم الإدارة العامة الأردنية خرج قادة وطنيون في كل المجالات مازالوا في الذاكرة والوجدان الوطني ممن تدرجوا في الإدارة الأردنية وكبروا معها وكبرت بهم، وهنا تكمن أول مزايا الإدارة الأردنية وأخلاقياتها، فقد كانت بنت بيئتها وتستجيب لمتطلبات هذه البيئة، وكان رجالها يطوعون علومهم ومعارفهم لتطويرهاتدريجياً، ولا يسعون إلى تطويرها قسراً،لأن ذلك يعني بصورة من الصور اجتثاثها من بيئتها وخلق تضارب بينهما.
ولأن رجال الإدارة الأردنية الأوائل كبروا معها وبها، فقد كانوا حريصين على إنجازاتها والبناء عليها، فكان كل منهم يكمل ما بدأه من سبقه، لذلك تراكمت تجربة الإدارة الأردنية، واستوى عودها، وصارت نموذجاً حتى أضلها زمان تولى زمام الأمر فيها من يعتقد الواحد منهم أن الدنيا بدأت به وتنتهي عنده، فتحولت الإدارة الأردنية إلى حقل تجارب لنظريات غريبة عنها، وتعمد أصحاب هذه النظريات التنكر لكل ما سبقهم ومن سبقهم، ففقدت إدارتنا العامة تراكميتها ومؤسسيتها، وصارت بدلاً من أن تتطور تدور في حلقة مفرغة فوصلت إلى ما هي عليه من ترهل.
ماهو أخطر من ذلك هو الخلل الذي أصاب أخلاقيات وسلوك الكثيرين من العاملين فيها، وأول ذلك تسريب أسرار الدولة ووثائقها، فمن المعلوم أن الموظف العام يطلع على الكثير من أسرار الدولة ومراسلاتها وهو مؤتمن على ذلك كله، لذلك كانت الأمانة والحفاظ على أسرارالعمل من مقدسات الموظف العام في الإدارة الأردنية، ولم يكن أحدهم يسمح بخروجها من فمه، فمابالك من مكتبه ودائرته، وهذه خاصية فقدها الموظفون العموميون في بلدنا، فصرت ترى الكتب السرية منشورة على صفحات التواصل الاجتماعي، في مؤشر واضح على انهيار أخلاقيات الوظيفة العامة في بلدنا، الأمر الذي لم يتوقف عند تسريب أسرار الدولة ومراسلاتها، بل تجاوز ذلك إلى ممارسة الابتزاز لمن لهم علاقة بها، وهذا خطر حقيقي يهدد الاستقرار المجتمعي، لأنه يهز الثقة بالدولة ومؤسساتها، خاصة وأن الكثير من الأخلاقيات الشخصية للعاملين في الإدارة الأردنية أصابها الخراب، فصارت الرشوة ممارسة يومية في الكثير من دوائرها، ليس على مستوى القيادات الإدارية العليا، بل بين من ترتبط بهم مصالح الناس ومعاملاتهم اليومية التي لا تنجز إلا اذا دُفع “المعلوم”.
على أن ثالثة الأثافي وأخطر ما أصيبت به الإدارة العامة الأردنية أنها صارت “منتجة” للمعارضين المعاديين للدولة، فمن الظواهر الغريبة التي عرفها المجتمع الأردني في السنوات الأخيرة، أن الكثيرين ممن تولوا مناصب متقدمة في مختلف أجهزة الدولة ومؤسساتها نسوا القاعدة الذهبية “لو دامت لغيرك لما وصلت إليك” فتحولوا إلى معارضين للدولة فور خروجهم من المنصب العام، يكيلون سيلاً من الاتهامات للدولة ويتحدثون بأسرارها خيانة لأمانة المواقع التي أتمنوا عليها، مما يستوجب عقوبات شديدة بحق من يمارس هذا النوع من الخيانة.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى