آراء وكتابهام

جِرَاحُ .. حَيّ الشَيخ جَرّاح

الحياة نيوز – بقلم : عوض ضيف الله الملاحمه

لا ادري ماذا اقول وانا مُبتئس حزين . لَست وحدي ، بل أنا وكل شرفاء العرب ، وأزعم انني ربما من أقل الناس إنتماءاً لقضيتنا المركزية ، القضية الأم ، القضية الفلسطينية .

سأستعرض لكم تراجُع الاهتمام في القضية الفلسطينية ، وفق مخططات خبيثة ، تسير وفق ما رُسم لها بالضبط ، وان المتغير الوحيد ينحصر في الزمن ، الذي يستغرقه التنفيذ ، وهذا ليس تهاوناً منهم ، كما قد يعتقد البعض ، أبداً ، وانما الهدف من طول البال ، يتمثل في تحقيق الهدف دون ضجة ، بخفض ردود الفعل التي يقوم بها بعض الشرفاء ، الذين مازالوا يعتقدون بمركزية قضيتهم .

بدأ الخذلان للقضية الفلسطينية ، من ستينات القرن الماضي ، عندما تأسست منظمة التحرير الفلسطينية ، توطئة لما تم في مؤتمر الرباط عام ١٩٧٤ ، الذي تمخض عن إقرار مؤتمر القمة العربي بان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين ، بشبه اجماع —لانه لم يعترض عليه سوى الاردن والعراق — على ما اذكر . بهذا القرار تمت ازاحة الاردن عن دوره في العمل على تحرير الضفة الغربية التي تم احتلالها عام ١٩٦٧ ، وهي جزء من المملكة الاردنية الهاشمية ، وللعلم هذا القرار اراح كل الفلسطينيين ، وبعض الاردنيين ، لانه ازاح عنهم حِملاً ثَقيلاً يتمثل في مسؤولية استعادة الضفة الغربية ، وهذه مهمة مستحيلة للعارفين بالمراحل التوسعية للكيان الصهيوني . كما تم التخلص من البُعد العربي للقضية ، حيث ارتأى غالبية العرب بان دورهم بعد هذا القرار ينحصر في الدعم المالي والسياسي . كما سعُدت منظمة التحرير لانه تم إطلاق يدها في قضيتها ، وتفردها في الحل مع الكيان الصهيوني المحتل . حيث بدأت بتصفية القادة الفلسطينيين الشرفاء الذين يرفضون التسوية ، ويصرون على نهج النضال بكافة الوسائل المتاحة لتحرير الارض .

وعندما إتضح للعرب ان منظمة التحرير تعمل في الخفاء للوصول الى تسوية مع الكيان ، عندما بدأت التقارب مع اليساريين الصهاينة ، وهذه المعلومة أسَرَّ لي بها المناضل / ماجد ابو شرار ، الذي ابلغني برفضه هذا التوجه ، أثناء محاضرة له في ابوظبي عام ١٩٧٨ ، لذلك تم اغتياله . كما تأكد للعرب بان النضال بقصد التحرير ، ليس من اولوياتهم ، وان القيادات الفلسطينية تحيا حياة رفاه رؤساء الدول . عندها بدأت تفتر هِمة العرب تجاه القضية ، الى ان جاءت قاصمة الظهر (( اتفاقية اوسلو )) التي تمت بسرية تامة ، تفاجأ بها كل العرب ، بمن فيهم الأردن . عندها تبدى لكل متابع حصيف ان العرب حصلوا على الدليل الاكيد ان القضية ليست قضيتهم ، وبدأوا يتعاملون وكأنهم يُجاملون في مواقفهم ، بما لا يُرتب عليهم أية كُلف لا مالية ولا حتى سياسية .

ومرّت العقود ، دون ان تتحق الدولة الفلسطينية ، وتبغددت القيادات الفلسطينية بعيش الرفاه في رام الله ، واعلنوا بكل صراحة انه لا انتفاضة مسلحة بعد اليوم ، وطبقوا التنسيق الأمني ، وهو التزام من طرف واحد ، حيث تقوم السلطة بالابلاغ عن / او تسليم النشطاء الفلسطينيين الى الكيان لمحاكمتهم وسجنهم او التخلص منهم بقتلهم . وانقسمت المناطق الفلسطينية الى قسمين ، واحدة في الضفة والثانية في غزة . واللتين لن تلتقيا ولن تتصالحا ، لان كل واحدة تتبع مصالحها وتأتمر باوامر مموليها .

ما دفعني لكتابة هذا المقال هو تخلي كل الفصائل الفلسطينية عن القدس ، حيث استمعت باهتمام شديد الى تصريحات كل المسؤولين الفلسطينيين بالفترة الأخيرة ، وشعرت وكانهم يقولون للابطال المقدسيين : إذهبوا انتم وربكم وقاتلوا انا بانتظار نتائج نضالكم ، وهذه ليست المرة الاولى ، بل في كل المواقف البطولية للمقدسيين خلال الاعوام الماضية لأنهم انفردوا بمقاومة المحتل للدفاع عن مدينتهم ومقدساتهم . حيث درج على السنة الجميع تسمية جديدة اسمها (( مقاومة المقدسيين )) ، وليس المقاومة الفلسطينية . لماذا لم تعمل السلطة على إشعال الاراضي المحتلة في انتفاضة لتخفيف الضغط على المقدسيين ومساندتهم !؟ لتعظيم كُلف الاحتلال على المُحتل !؟ لكن ممن نطلب إشعال انتفاضة في الضفة !؟ للتدليل على استحالة ذلك استمعوا الى بعض اقوال رئيس السلطة واحكموا بانفسكم :- (( أنا ضد المقاومة علناً / أنا بدي أتعاون مع الاسرائليين وهذا اتفاق بيني وبينهم وانا لا أخجل من هذا / ما دمت في هذا المكتب لن يكون هناك انتفاضة مسلحة / لا نريد ان نستخدم القوة او الارهاب —تصوروا يسمي مقاومة المحتل إرهاباً !؟ — / كل الاجهزة تعمل على منع تهريب الاسلحة او استعمالها / التنسيق الأمني مُقدس / أرسلت سفيري في موسكو لحضور احتفال بمحرقة اليهود حتى أُبدي تعاطفي مع الشعب اليهودي / بدأت التنسيق الامني عام ٢٠٠٥ ولم يتوقف التنسيق الامني حتى الآن )) هذه مقتطفات من تصريحات لرئيس السُلطة الفلسطينية ، بعدها هل من حقنا ان نعتب على الغير !؟

وصل الأمر الى ان تجزأت القضية لتتشظى . وعندما ادرك المقدسيون ذلك ، وفي اوج الجامهم للعدو ، واجباره على التراجع عن قراراته مثل (( تركيب البوابات ، وتركيب الكاميرات ، ووضع الحواجز .. وغيرها )) . تجمع المقدسيون في المسجد الاقصى يؤدون قَسَمْ حماية المسجد الأقصى والقدس بعد صلاة الجمعة الثالثة في شهر رمضان المبارك وصدحوا :- (( أقسم بالله العظيم ان احمي المسجد الأقصى المبارك .. أقسم بالله العظيم ان اصون القدس في حدقات العيون )) .

أجبر الجبابرة المقدسيون العدو على التراجع وفتح باب العامود ، وها هم يناضلون لوقف مخطط العدو لتهجير حوالي (( ٢,٨٠٠ )) فلسطيني من أهالي كرم الجاعوني ، من حي الشيخ جراح بتهجيرهم من بيوتهم ومصادرة ارضهم . قدمت الاردن مشكورة (( ١٤ )) وثيقة تثبت تخويل المقدسيين بملكية الارض ، لكن المقدسيين يناشدون الاردن بتقديم (( ٢٨ )) وثيقة تكون أصلية ، مع رسالة رسمية من الحكومة الاردنية تؤكد مُلكية سكان حي الشيخ جراح للارض التي سكنوا فيها منذ عام ١٩٥٦ ، وهم بالاصل مهجرون من فلسطين ال ١٩٤٨ ، وان ملكية الارض تمت بالاتفاق بين الاردن ومنظمة الأنروا ، ويطلبون ان لا تكتفي الاردن بتقديم عقود إيجار فقط بل ما يثبت ملكية الارض .

جِراح حيّ الشيخ جراح عميقة ، لان صانع هذه الجراح عدو لا يحبذ ان يرتاح ، ولا ان ينزاح عن صدور المقدسيين ، وراحته تتحقق في تنفيذ مخططاته التهويدية الاحتلالية للقدس الشريف تحديداً . لكم الله يا مقدسيين ، لاننا أموات ونحن احياء ، بلا حياء ، بينما انتم بافعالكم تثبتون مقاومتكم الشرسة لافشال مخططات العدو .

لا ادري يا اهل الشيخ جراح ، كيف تقوون على مقارعة العدو ، رغم تعدد الجراح التي يفترض انها اصابتكم في مقتل !؟ لله دركم ، ما اعظم دوركم في مقاومة العدو ، تُسطِرون تاريخاً مجيداً مُشرقاً ومُشرفاً يفخر به كل الشرفاء العرب .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى