آراء وكتابهام

تحدي الشعبوية

الحياة نيوز – محمد المومني – قد يكون تفشي الشعبوية من أكبر التحديات التي تواجهنا كمجتمع، حيث نشهد في أحيان غيابا مقلقا لطروحات المنطق والمعلومة، وتتسيد لغة الشعبوية التي تقوم على أسس “ما يطلبه المستمعون” وما يطربون لسماعه، حتى لو كان على حساب المنطق والدقة والمصلحة العامة. الشعبوية ليست ظاهرة أردنية بل عالمية، تزدهر وتقوى في الديمقراطيات التمثيلية والبرلمانية، التي يسعى سياسيوها لجني الأصوات عن طريق مداعبة عواطف الناس والناخبين.

هي ظاهرة خطيرة لأنها تعطل المؤسسية القائمة في المجتمعات، وآليات اتخاذ القرار، عن طريق تحريك عداء شعبي جماهيري ضدها، وهي غوغائية تعتمد مغازلة المشاعر حتى وإن كان على حساب المصلحة العامة أو القرار القويم والواقعي. أخطر الأنظمة السياسية وأسوأها على مر العصور هو الغوغائي الفوضوي الذي تسود فيه ثقافة الشعبوية، وقد حذر منه العلماء والخبراء وفضلوا الأنظمة القمعية التسلطية أو الشمولية عليه.

ازدادت في الأردن ثقافة الشعبوية تحت وقع الظروف الاقتصادية الصعبة، وضنك العيش الذي نمر به كبلد، بسبب ظروف الإقليم التي ألقت بظلالها علينا، وقد باتت الضغوط الشعبوية تؤثر في بعض الأحيان بشكل كبير على القرارات والسلوكيات.

تسللت الشعبوية لدوائر القرار التنفيذي، وهذا خطير يجافي تاريخ الأردن الذي جانب الشعبوية وانحاز دوما للقرار القويم والصحيح حتى وإن لم يكن شعبيا. الناس هتفوا ضد قرارات لوصفي وهزاع حين اتخذوا، وخرجوا مسيرات ضدهما، وها نحن اليوم نترحم عليهما وعلى قراراتهما ونعلي من قيمتهما الوطنية الشامخة، ونتفهم أنهما اتخذا القرار الصحيح حتى وإن كان مؤلما في حينه.

اليوم نجد بعض التنفيذيين وقد انقادوا تماما للشعبوية، وأصبحت ردود الأفعال المتوقعة على السوشال ميديا المحرك الأساسي لقرارهم، وتجد منهم من يقضي الساعات يتابع الأخبار والتعليقات على السوشال ميديا، ويعتبرها مؤشرا دقيقا للرأي العام. هذا مؤسف وغير صحيح، ويدلل على ضعف سياسي كبير. مررنا بمرحلة شبيهة بالماضي عندما كان بعض صناع القرار يتابعون وينساقون خلف تعليقات المواقع الالكترونية، وقد أصاب كثير منهم الإحباط والاكتئاب بسبب تلك التعليقات التي استخدمها بلا شك البعض لممارسة للابتزاز.

اليوم، الحال نفسه ينطبق على أخبار وتعليقات السوشال ميديا، ولا بد لصناع القرار حتما وضرورة أن يضعوا هذا الأمر ضمن سياقه الطبيعي الديمقراطي، وأن لا ينساقوا أو يتأثروا بما يكتب ويروج من تعليقات على السوشال ميديا، ففي ذلك خطر كبير على جودة القرار وأهليته، وهو مؤشر على ضعف شديد من قبل المسؤول.

نحتاج لفترة من الزمن، ونضوج رقمي للمجتمع، كي نستطيع أن نضع ظاهرة الشعبوية وأداتها الرئيسة السوشال ميديا ضمن نصابها الصحيح، لتصبح أداة للتواصل والتعبير وليس التحشيد والتعبئة السلبية والشعبوية. أول وأهم خطوة على طريق فعل ذلك، أن يكون لدينا متخذو قرار يضعون السوشال ميديا في إطارها الدقيق لا ينقادون بخفة خلفها فتصبح الدافع الأساس لاتخاذ القرار. الدول الراسخة، ونحن في طليعتها، وتاريخنا الأردني المشرف، يشير بوضوح إلى أننا دائما في المحطات الصعبة كان لدينا رجالات يتخذون القرار الصحيح لمصلحة البلد حتى وإن لم يكن شعبويا.

(الغد)

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى