آراء وكتابهام

معن القطامين .. بين اللوم والاشادة

د. صبري الربيحات

الاستقالة التي اعلن عنها الوزير معن القطامين وتم قبولها كانت الحدث الابرز. فقد لقيت اهتماما اعلاميا وشعبيا واسعا واضحت الموضوع الاهم الذي اعاد الي الواجهة النقاش حول اساليب تشكيل الحكومات وطريقة اختيار الوزراء وكيفية تعامل الحكومة لا بل الدولة مع الاطروحات التي تخالف النهج وحدود المتوقع والمسموح في عمل المسؤول والقت الضوء على بعض المعيقات التي تقف في وجه الاصلاح والصراع الخفي بين قوى المحافظة وقوى التغيير وضيق المساحات المتاحة لاي وزير في تركيبات او تشكيلات حكومية لا يتوقع منها ان تتجاوز القواعد والترتيبات التي جرت العادة على تكريسها والالتزام بطقوسها.

بعيدا عن الجدل العفوي وغير العفوي والاراء الفردية والجمعية وما فيها من اشادة او لوم واتهام وتهجم فقد كانت الخطوة التي اتخذها تاريخية ومهمة ليس بالنسبة له فقط بل بالنسبة للدولة وعمل الوزراء وايضاح الفرق بين ما هو سياسي واداري في عمل الحكومات ومعنى ان يكون لك برنامج وتحرص على تنفيذه.

كما تؤشر الحادثة على وجود ديناميكية في العمل الوزاري فقدناها منذ زمن بعيد فالوزراء يقالون ولا يستقيلون. وقلة من الوزراء يدخلون في شراكة مع الناس يطلعونهم على كل ما في رؤوسهم ويشعرون بمسؤولية اعمق تجاههم فلم نألف ان يخرج علينا وزيرا ليقول ان هذا هو الواقع وهذا هو رأي وهذه خطتي التي انوي ان انفذها خلال مدة زمنية محددة ومعروفة.

الدكتور القطامين مختلف عن الصورة الذهنية التي رسمتها الدولة والشارع للوزير فقد جاء الي الحكومة على خلفية شهرته كنجم احترف النقد والتقييم لسياسات وبرامج الحكومات وكمختص وبارع في انتاج مواد سمعية بصرية تشرح وتحلل وتنتقد السياسات العامة بلغة بسيطة يفهمها الجميع. لم يتوقع احد ان يدخل القطاميين حكومة الخصاونة التي تشكلت قبيل الانتخابات ومن المفترض ان تكون لها مهمة ادارتها فقد استغرب الناس قراره وشكك البعض في مصداقية الرجل قبل ان يعود ويطل على جمهوره في عدد من الفيديوهات التي شرح فيها اسباب قبوله والتزامه بنهج التواصل واستعداده للاستقالة ان لم يتمكن من تنفيذ ما سبق واقترح من موقعه كناشط وناقد ومحلل.

ما من شك ان موقف القطامين كان محيرا فهو تحت الاختبار من قبل الجميع والعيون ترقب اداءه وسلوكه والناس يرون في دخوله الحكومة وتوليه لحقاذب الاستثمار والعمل اختبار فعلي لامكانية توظيف الرؤيا الواضحة لايجاد برامج تنهض باحد اهم واعقد الملفات التي توثر على النمو والعمل والتشغيل وسائر جوانب الاقتصاد.

بكل امانة وصدق لم اكن مؤيدا لدخول الرجل في الحكومة وقد اعتقدت للحظة انه خسر مصداقيته وافقد المجتمع متصة كانت مهمة في ايصال الكثير من التوضيحات والرسائل وينظر لها الناس بكثير من التقدير والاعجاب ومع ذلك فقد تابعت ما كان يقوم به وخلصت الي ان هناك فرصة مهمة لاحداث اختراق وعمل شيء مختلف فبامكانه ان يستخدم وضوح الرؤيا والحس بالمسوولية تجاه الناس لتقديم تصور للنهضة بملف الاستثمار وربطه بالفقر والعمل والمالية العامة وبقية جوانب الاقتصاد.

وكما توقعت خرج علينا الوزير بتقييم شمولي لوضع الاستثمار فلسفة وتشريعا واجراءاءت ومعوقات وقال لنا ان الوضع بائس ويحتاج الى تغيير في 16مجالا وبدون ذلك لن ننجز اي شي وسنبقى ندور في نفس الحلقة.

في اعتقادي ان القطامين قدم قبل اسابيع قاربا للنجاة وخروجا من معاناتنا مع الاستثمار فالتشخيص دقيق للغاية والحلوا واضحة والعوائد مقدرة فقد اصر يومها على التفريق بين السياسات المحاسبية والسياسات الاستثمارية فالنظر الى اي مشروع من منظور جبائي يختلف عن رؤيته في سياق النمو الذي ينعكس على كل شيء.

لا اعرف اذا كان بذلك قد دخل الى فضاء المحرمات او ان البعض شعر بانه يتمدد اكثر مما ينبغي او ان مخاطبته للناس مباشرة ازعجت البعض ام انه اراد ان يخلق رايا عاما يساند تصوزاته.. لكن هذا سبب مهم في تطور الاحداث وربما التفكير بابعاده عن الملف
من غير المألوف ولا المتوقع من الوزراء ان يفكروا بطريقة مستقلة او ان يكون لهم مشروعات مستقلة فالوزير حسب اعرافنا شخص لا يخطئ يقول كلاما لا يمكن قياسه ويلتزم باستخدام المفردات والخطاب المتداول في مرحلته ويسند كل ما يصرح به الى مرجعيات اعلى لكي يحمي نفسه من المسأءلة او لكي لا يطلب منه التفسير.

الهجمة الشرسة من البعض على القطامين غير مبررة فهو مواطن اردني يحب بلده ويريد لها الخير ويعمل بجد على التوعية والنقد والاقتراح.. واستقالته في التوقيت الذي اختاره تحمل دلالات مهمة حول ان بلدنا يحتمل التنوع والتعددية وان فضائنا السياسي يتسع يوما بعد يوم فالرجل تقدم باستقالة بروتوكولية مهذبة لم يخرج فيها على قواعد الاداب ولا الدبلوماسية والروح الاردنية.

من غير اللائق الهجوم على بعضنا البعض فالرجل مجتهد وله رؤية حاول ان يقدمها فلم يجد لها قبولا فاستقال.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى