ثقافة وفنونهام

دارين زكريا تكتب : ريشةٌ عالقة في أنف الموت

الحياة نيوز . بقلم : دارين زكريا / شاعرة وكاتبة سورية .
بحثتُ عن طريقةٍ أختفي بها كعادتي, لكن نويتُ هذه المرّة التواري عن نفسي أيضاً.
كنتُ أنا و حيرتي نسامِرُ بعضنا, حتى غمزتْ لي ساعةُ الجّدار : تعالي… قالتْ الغمزةُ!
لا أذكرُ أدخلتُ أنا للساعة أم هي التي دخلتني… أذكرُ فقط أني تعلقتُ بعقربها الصّغير و تركتُ حيرتي لوحدها تُدخّنُ سيجارتها بقلق.
العقربُ على دَيْدنه في الدوران, إلا أنه لم تشِ لي الحكمةُ, لماذا كنتُ أدور على عكسهِ… إلى الوراء.. إلى الوراء.
آه… نعم وصلتُ لي و أنا صغيرة حين كنتُ أتخذُ اللعبة ذاتها ” لعبة الاختفاء” لم يتسنّى لطفولتي وقتها إتقانها لقلّة حيلتها, فتكتفي بوضع المخدّة على أنفها بظنٍ بريء أن ذلك سيمنع التنفس و ترحلُ هكذا .. بكلّ سهولةٍ و يسر.
لم تساعدني المخدّة المحشوّة بريش النعام على ذلك… كانت كريمةً بفراغاتٍ كثيرة ساعدتْ أنفي الصّغير على التنفس . انتقمتُ منها و فرّغها قهري من ريش النّعام الذي تطاير حينها برهافته في كل الغرفة الواسعة عليه و الضيّقة على حزني الأكبر من صغري, و لأول مرة كنت أرى عالماً كاملا من الرّيش… كوناً مسحوراً بطيران النعومة البيضاء فيه … أحاطني وقتها بفرحٍ كثير يسحبُ الرّيشَ الصغيرَ من فتحات أنفي و فمي و يدعوني للضحك بأعلى صوتي .
نعم الضحكُ أيضاً هو نوع من أنواع الاختفاء في عُرفي.
الشيء الممتع جداً, هو أني منذ الصغر أتوارى وراء ضحكاتي الرّنانة و الأمر الممتع أكثر هو عدم انتباه أحد إلى أنّ ضحكتي الرنانة تفتقرُ للصّدى, بالرغم من علوّ رتمها , كانتْ تنشأ هكذا كشهقة نيزك ثمّ تختفي عن الرؤية, كانتْ تموت متمدّدة إلى جانبي.
لذلك حين أمشي في معظم الأحيان يلتفتُ إليّ معظم المارّة يتمعنون بي جيداً … لا لشيء.
إنها الضحكات الميّتة حولي تناديهم لإحيائها من جديد … لكن جديّة صمتي المتنسّك في هالتي مع نظرتي الجّادّة لهم , تمنعهم من ذلك.
أشعر بالأسى على ضحكاتي الميتة هذه, مرة أحييتها كلها بمدينة فرانكفورت في شارع يختصرُ الحياةَ , بدَتْ سعيدة جداً وقتها و تطايرتْ كريش النعام في المدينة كلها.
هناك لأول مرة كوّنتُ عالماً كاملاً من الضّحكات, وددتُ لو اختفيتُ به وقتها, لكني نسيتُ.
الآن أسمع أنين الضّحكات الميّتة حولي, لم أستطع حشوها في مخدة طفولتي لأنها معبّأة بكامل جسدي الصّغير , بعد أن كبستُها جيداً على أنفي المُنمنم حينها.
ليس لدي شجاعتي الأولى لوضع المخدّة على أنفي الآن و لا لحتى خلق عالم من بياض الريش.
……….
تعلقتُ الآن بعقرب الساعات الطويل … إنه يمشي إلى الأمام… تخونني إرادة “عش الآن.. عش اللحظة “. تمسكُ يديّ الضحكات و تشدّني إلى موتها. أنا الابنة البارّة لكتابة الغد , كثيراً ما تخونني ممحاة الماضي و تترك لي جملاً مبعثرة على صفحتها هنا و هناك , تقلقُ لي أصابعي التي يرتجفُ الليل على حركتها .
أصابعي السّاقطة عوّلتْ على قلمها ! من قالَ أنّ لسان القلم مُستوياً يا ساقطة ؟
من أوّل السّطر: العقارب تختفي … الليلُ مَنْ يرتجف ….. أصابعي هي الثابتة.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى