آراء وكتاب

الرسالة الملكية لمدير المخابرات بين التكتيك والاستراتيجية

عمرالرداد

لعل أول ما يلفت النظر في ردود الفعل على رسالة جلالة الملك لمدير المخابرات العامة تلك المساحة الواسعة التي أثارتها مضامين الرسالة التوجيهية، من تساؤلات على مستوى النخب السياسية والمستويات الشعبية وفق مرجعيات، ربما كانت مسبقة عند كثيرين، حول ما إذا كانت استراتيجية ام أنها تأتي في اطار التكتيك، وعلى اساس التكيف مع توجهات الادارة الأمريكية الجديدة ، واظهار استجابة القيادة الاردنية لتلك التوجهات. واسهاما في اجتراح إجابات تستند لخبرة وليس لقوالب جاهزة ولا خطابات معلبة فان موضوعية التحليل ومرجعيات المكاشفة والمصارحة ستفضي لقراءة، نزعم ان أبرز ملامحها:

اولا: التوجيه الملكي استراتيجي وليس في إطار التكتيك والمناورة، الا لمن اراد تبني تلك المقاربة بلا سند ولا دليل، فمن ناحية فان عودة للرسائل التوجيهية المشابهة لمدراء المخابرات السابقين منذ عام 2009، جميعها تضمنت توجيهات بالمضمون نفسه، جوهرها اعادة هيكلة الجهاز وعودته إلى المهمات التي اسس من اجلها وليس من بينها القيام بأدوار الاخرين، وتمت ترجمتها عبر سلسة من الاجراءات التنفيذية ،من بينها مفهوم ودور المخابرات في صناعة القرار الوطني عبر صيغة المجلس الوطني للسياسات، اذ تحول الوزن النسبي لوجهة نظر المخابرات ومقارباتها الى واحد من ستة واحيانا من عشرة، تنفيذ لرؤية جلالة الملك بتعزيز مفهوم تشاركية المؤسسات، وتحولت مع هذه الصيغة مقاربات المخابرات إلى وجهة نظر غير ملزمة.

ثانيا: من غير العدل تجاوز السياقات العامة التي جاءت فيها التوجيهات الملكية، حيث جاءت بوصفها جزءا من خطاب إصلاحي ملكي شامل يشمل كافة القطاعات السياسية ، ومفردات هذا الإصلاح بقانون انتخاب جديد لمجلس النواب والاحزاب، خاصة بعد تداعيات الانتخابات النيابية الاخيرة والظروف التي أحاطت بها، بالإضافة لإصلاح اقتصادي بمفردات التنمية وعدالة الضرائب ومواجهة عجز الموازنة، والبحث الجاد عن إجابات حقيقية لعقدة قطار الاستثمار الذي يتحرك بفاعلية في الإيجازات التي تقدم لجلالة الملك عبر تقنيات حداثية، فيما هذا القطار لا يغادر شاشات العرض الالكترونية، كما أنها ليست معزولة عن إصلاحات أنجزت في مؤسستي الأمن العام والجيش العربي.

ثالثا: ان ربط التوجيهات الملكية للمخابرات ب”تكيف” مع توجيهات الادارة الامريكية، رغم احتمالية ضعفه او انه شكل نسبة محدودة جدا من سياقاته ومرجعياته، لا تعيب الاردن ولا قيادته، فالعالم اليوم كله يتكيف مع امريكا،بما في ذلك قوى اقليمية كبرى في الاقليم،وربما ان كان هناك تكيف في مرجعيات الرسالة فهو مع المتغيرات الدولية وتشكلات النظام الدولي الجديد، هذا النظام الذي تحول منذ تسعينات القرن الماضي الى عالم منتج للمعرفة والتكنولوجيا تجاوز كل انساقه المضمرة وانتصر على نفسه “رغم ظهور الشعبوية في الغرب”وعالم اخر مستهلك غارق في ثنائياته وانساقه المضمرة وحروبه ،توقف التاريخ عنده عند قرون خلت، الى عالم جديد تتشكل ملامحه مجددا بين نظم ديمقراطية تحترم حقوق الانسان، واخرى دكتاتورية، و الاردن بقيادته الهاشمية كان سباقا في استشراف المستقبل، فما أشبه اليوم بالبارحة ، فمجمل التطورات التي يشهدها عالم اليوم تتشابه إلى حد بعيد مع الظروف التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي.

رابعا: مؤكد ان دائرة المخابرات العامة بقيادتها وكوادرها قادرة على الاستجابة الفورية، كما كانت وستبقى دوما، لترجمة التوجيهات الملكية، واعتقد ان الاهم استجابة مؤسسات الدولة المختلفة للتوجيهات الملكية قبلا، لأن هناك فئات مستفيدة من بقاء شماعة المخابرات بوصفها “الجماعة من فوق هيك بدهم “،فكم من ظلم وقع هنا وهناك باسم المخابرات، واعتقد ان المخابرات بعودتها وفقا لمنطوق التوجيه الملكي، ستكون أكثر تخصصية وستنكشف قطاعات ومؤسسات كثيرة، لطالما اختبأت خلف جدارات “اللي فوق فوق”.

خامسا: إن مقاربة الإصلاح الملكية بشموليتها وتدرجها  قد وصلت اليوم الى حد الذي يجعلنا نقترح الذهاب لميثاق وطني جديد تنتجه نخب اردنية “جديدة” تمثل كل الديموغرافيا والجغرافيا الاردنية،قبل الشروع في الإجراءات التنفيذية للإصلاحات الشاملة ،يجيب على أسئلة كبرى ما زالت في إطار المسكوت عنه، يعبر عنها بهمس نخبوي احيانا، او بانفلاتات متهورة من هنا وهناك، فحري بدولة تدخل مئويتها الثانية ان تكون قد تجاوزت اسئلة المواطنة والهوية وتجاوزت المحاصصات الأفقية والعامودية وحققت العدالة بمفهومها الشامل بين مكونات شعبها، فلدينا إرث تاريخي في الدولة عنوانه “دولة المؤسسات والقانون” يمكن البناء عليه لمستقبل أكثر أمنا  وعدلا وازدهارا في ظل قيادتنا الهاشمية، التي يختلف الأردنيون فيما بينهم على كل شيء الا عليها، وحينذاك مؤكد ان المخابرات وكافة اجهزة الدولة ستتفرغ لاختصاصاتها في إطار القانون.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى