آراء وكتابهام

يوميات مدير مدرسة حلقة 20

بقلم الدكتور محمد أبوعمارة-  وبعد انقضاء فترة الإجازة والتي استمرت لمدة عشرة أيام، عدت إلى المدرسة التي لم تفارقني ولا ثانية، ففي كل خمسة دقائق كان يرن هاتفي من أحد الزملاء ليستشيرني بموضوع ما، أو قضية ما، أو للإطمئنان على صحتي وصحة العائلة وفي أغلب الأوقات كان الهاتف يرن ليخبرني أحد الموظفين بمدى اهتمامه بالمدرسة وبحرصه الشديد عليها في غيابي وبعض التفاصيل الأخرى عن زملائه التي انا كعادتي لا القي لها أي اهتمام أو بمعنى أخر (كانوا يأسفنوا بعض) فقطعت إجازتي وقلت أن أعود للعمل أفضل وخصوصاً أنها حسبت علي إجازة وأنا ولم أعطل!! حقيقة أنني لست من قلت ذلك وإنما هي طفلتي التي انزعجت لأنني نقلت العمل معي إلى الإجازة!
وصلت باب المدرسة وفوجئت لوجود عدد كبير من السيارات والشبان الذين يقفون أمام وبقرب المدرسة ويكأنها مظاهرة -ذكورية- اقتربت من الباب وإذ بالحارس (أبوصابر) “أهلاً دكتور والله نورت المدرسة، يا رجل أقسم بالله ثم أقسم بالله ثم أقسم بالله الدوام ما إله طعم ولا هيبة بدونك!!”
– شكراً شكرأَ…
– يا دكتور ورحمة أبوي وأمي وخالتي سماح وعمتي هدى ومرة عمي أبوعماد….
– يا أبو صابر يا رجل كرهتني بالدوام خلص إخلص واسكت شكراً يا سيدي… وهممت بالدخول!! أبو صابر!!
– نعم دكتور؟!
– ليش في شباب كثير على باب المدرسة خير إن شاء الله؟!!
– السبب مس لولو!
– مس لولو!! مين يا خوي مس لولو؟!!
– المس الجديدة والله يا دكتور كركبت المدرسة، وكركبت الشارع!!
– مس جديدة؟ وإسمها لولو!! شو مالها؟!
– والله يا دكتور مشكلتها إنها حلوة كتييييير!!! وفايعة… فايعة… فايعة…
– احترم حالك أبو صابر!!
– والله يا دكتور كلنا بنستنى لما تصف لولو سيارتها بس أنت لو تشوفها! مش بس إحنا، كل الشارع بستنا!!!
– لا حول ولا قوة إلا بالله شكلي غلطت لما ما روحتك من المرة الماضية!!!
– لا وعلى إيش!! أصلاً مين لولو أنا ما بعرفها!! ولا بستناها!
وأكملت طريقي ودخلت المدرسة واستغربت لأن مكتب الإستقبال لا يوجد عليه أي موظف!! يا سمير!! يا عبدالرحمن!! يا مجدي!! وين الموظفين… يا شباب!! ولا أحد يجيب، وصلت مكتبي ولم أصادف أي موظف أثناء ذلك، وبعد قليل جائت المراسلة أم جميل….
– اشرقت الأنوار يا دكتور والله المدرسة مظلمة بدونك… والله يا دكتور والله المدرسة ما إلها هيبة وما بتندخل بدون وجودك، يا دكتور إنت (نور) ماشي إنت (لمبة) إنت مش لمبة أنت (كشاف) … إنت شمس إنت….
– ام جميل اعملي قهوة واختصري هالكلام!!
– بس يا دكتور انت اللي عينت مس لولو!! لانه سمعت من مس آمنة أنه لما كانت قاعدة مع المعلمات انه لولو الها واسطة كبيرة بالمدرسة ولما سألت خديجة المراسلة اللي بقسم الأساسي حكتلي انها هي متعينة براتب كبير وانه….
– كم مرة حكيتلك ما تتدخلي بحد!! ومين مس لولو؟؟
– له يا دكتور يعني بتعمل حالك مش عارف ما انا لما عملت اجراءاتي واتقصيت بالموضوع حكولي إنها من طرفك!!
– من طرفي!! أنا أصلاً ما بعرفها ولا بعرف شو بتدرس؟!!
– يالله عاد! علينا يا دكتور!! ما انت من لما سمعت اسمها عينيك لمعت!
– ام جميل، روحي اعملي قهوة!
وهنا بدأت بترتيب أوراقي وطلبت السكرتيرة حتى تحضرلي البريد… ولكن السكرتيرة تأخرت، خرجت ولم أجدها في مكتبها!!
– يا إم جميل وين سوزان؟!
– والله يا دكتور ما بعرف!! أدورلك عليها!!
– لا لا… لا داعِ لذلك!!
وبعد قليل سمت صوت مجموعة من الطلبة تقترب من المكتب وتوجهت نحو الكاميرات إنهم طلبة الثانوية العامة، سارعت واستقبلتهم على الباب!!
– أهلاً بالشباب، كم سررت لأنهم قد نزلوا من صفوفهم للسلام علي والترحاب بي، مع العلم بأنني أقسو عليهم كثيراً… ولكن…
– اهلا دكتور
– والله انكم اصلاء وأنا مبسوط لأنكم… فقاطعني أحدهم!!!
– دكتور من الآخر إحنا بدناش استاذ كامل يدرسنا انجليزي!!
– كامل!!
– آه استاذ كامل
– ما انتم اخترتموه من كل الاساتذة وحفيت رجليكم مشان نتعاقد معه ويدرسكم، والله ما خلينا واحد إلا وتوسط عنده ورفعناله الراتب اللي بده إياه مشان يجي على المدرسة شو عدا ما بدا!! شو اللي غيركم ؟؟
– احنا ما بنفهم عليه بالمره، وبدناش اياه!!
– طيب واكتشفتوا هاد الاشي اليوم؟!
– – بشكل جماعي- آه يا دكتور
– طيب ومن وين بدنا نلاقي معلم شاطر يكمل معكم المادة!!
– موجود يا دكتور – وابتسامة غمرت وجوه الجميع-!!
– مين؟!
– مس لولو!!
– يا دي مس لولو !! مين مس لولو؟!
– يا دكتور مس شاطرة كتير ومبدعة وفنانة بالتدريس !! والله فنانه… فنانه!!
– ما شاء الله وكيف عرفتوا وهي ما بتدرسكم! إنها فنانه؟؟
– سُمعتها يا دكتور الكل بيمدح فيها حتى اسأل الأستاذ أحمد والأستاذ تيم!!
– ايوا… استاذ أحمد واستاذ تيم!!
– شو مالهم يا دكتور!!
– لا ولا اشي بس شكلي فهمت الموضوع، خلص ولا يهمكم أنا برتب الموضوع!!
وتدخل سوزان المكتب!!
– آسفة دكتور!!
– وين كنتِ يا سوزان!!
– وتغمزلي بأن أخرج الطلبة، خلاص يا شباب يلا على صفكم وإن شاء الله ما بكون خاطركم إلا طيب…
– وين كنتِ يا سوزان!!
– مع مس لولو!
– شو قصة مس لولو اللي مدوخة المدرسة يا سوزان؟!
– والله يا دكتور فكرناها من طرفك ومدعومه!
– من طرفي؟! أصلاً مين اللي عينها هاي!!
– ما بعرف.. ما بعرف
– طيب ناديلي المديرة…
وتدخل مديرة المدرسة
– مس الاء
– اهلا دكتور والله نورت المدرسة !!
– شو قصة مس لولو!!
– آه يا دكتور، مس لولو، وما أدراك ما مس لولو!!
– سلامتك من الآه… مالها مس لولو!!
– يا دكتوري العزيز، بتعرف مس هبه مدرسة اللغة الانجليزية؟!
– لا والله ما بعرفها!
– مس هبه مدرسة الصف الأول يا زلمة!!
– مش متذكرها! بعدين شو يا زلمة هاي؟!
– هبه اللي خالتها بتقرب للدكتور اللي بالعيادة، العيادة اللي قبالنا!!
– أي عيادة وأي دكتور… شو مالها هبه؟!
– تركت العمل فجأة!!
– ليش؟
– لانها عقبال محبينك خطبت وخطيبها منعها من الشغل!
– وليش منعها هاد الأهبل!!
– بغار عليها
– آه معه حق، طيب وبعدين!
– اضطريت أعين معلمة محلها وما حبيت أزعجك وانت بإجازتك فنزلت إعلان مطلوب معلمة لغة انجليزية وهجموا المعلمات علينا، والله يا دكتور تحكي انفجار معلمات صار عنا!!
– يعني كنت تتصلي فيي على كل صغيرة وكبيرة لو لمبة انحرقت كنت تتصلي فيي لو خلصت القهوة كنت تتصلي ولما عينتِ معلمة ما حكيتِ معي مشان ما تزعجيني! وآعجبي!!
– هاد اللي صار يا دكتور؟!
– طيب وبعدين..
– اللجنة عينت مس لولو
– هي اسمها لولو؟!
– لا أسمها لينا!!
– طيب ليش بتحكولها لولو؟!
– لأنها هي ما بتحب اسمها!!
– آه حقها فعلاً اسم لينا قديم وبايخ… بلا هبل شو مس لولو!! ومن ايمتى يا الاء؟! طيب وشو قصتها ليش الكل بحكي لولو لولو ؟!! ومظاهرات وتجمعات خير؟!
– بصراحة المس حلوة كتير وفايعة شوي!
– يعني لأي درجة؟
– يعني فايعة كتير شوي!!
– نادولي اياها هاللولو اشوفها!!
وبعد قليل سمعت أصوات كثيرة تقترب من المكتب ونظرت إلى الكاميرات وإذ بمعظم المعلمين وجميع طلبة الثانوية يلتفون حول بعضهم ويتقدمون تجاه مكتبي! خرجت وإذ بالمعلمة والمديرة تتوسطان الجموع، ولاحظت أن أحد المعلمين يحمل حقيبة المعلمة، والآخر الجاكيت والطلبة جميعهم مسيرين لا مخيرين!! ومبتسمين ويحفون المعلمة بنظرات التوهان!
صرخت… شباب ليش انتوا هون!! وأحسست أنهم تفاجأوا بوجودي وهربوا معلمين وطلبة وبقيت المديرة والمعلمة برفقتها!! ودخلت للمكتب وأنا مشتعل من الغضب!! وخلفي المعلمة ترافقها المديرة مس الاء.
فبدأت المعلمة بحديث لبق…”مرحبا دكتور”… وهمت بالجلوس على الكرسي المقابل لي….
فوقفت وحدقت بها والكشرة تعلو جبيني… وصرخت بها…”لا والله”… وقمت من مكاني وقلت لها بحدة… “والله غير تقعدي هون مكاني” وأشرت للمقعد الذي اجلس عليه!!

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى