آراء وكتابهام

هذا هو الإسلام

((( … فاصبر كما صبر أولو العزم من الرس … )))
الحياة نيوز- الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً امين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
الإيمان بالرسل هو الركن الرابع من أركان الإيمان وأصل من أصول الدين ، لا يصح إيمان المؤمن إلاَّ به ، قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } النساء 150 -152 ، ومقتضاه الإيمان برسل الله جميعاً بحيث يعد كافراً من أنكر نبوة ورسالة أي واحد منهم أو إساء إليه بأية صورة من الصور ، ومن كذب واحداً منهم فهو مكذب لهم جميعاً ، قال تعالى { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِين } الشعراء 105 ، فقوم نوح لم يكذبوا إلا نوحاً وحده ، لكن الله سبحانه اعتبرهم مكذبين كافّة الرسل لأنهم جميعاً جاءوا بدعوة واحدة ورسالة واحدة وعقيدة واحدة من رب واحد .
ومعنى الإيمان بالرسل التصديق الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمةٍ رسولاً أو أكثر يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، قال تعالى { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ } فاطر 24 ، وهذا يعني أن عدد الأنبياء والرسل كبير لا يعلمه إلا الله ، ولكن لم يرد في القرآن الكريم إلا أسماء خمسة وعشرين منهم ، أولهم سيدنا آدم عليه السلام وآخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلا نبي بعده ، قال تعالى { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } الأحزاب 40 . ومعناه أيضاً أَنَّ جميع هؤلاء الرسل اصطفاهم الله سبحانه ليكونوا أهلاً لحمل الرسالة وتبليغها ، فاتصفوا بأسمى الصفات وتمثلوا أرفع الأخلاق كالصدق والأمانة في التبليغ والذكاء والعصمة من المعاصي والآثام ، قال تعالى { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } الحج 75 .
والرسل هم الذين بعثهم الله عز وجل برسالة التوحيد وكلَّفهم بحملها وتبليغها ومتابعتها ، قال تعالى { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ } الأنبياء 25 ، ولعلَّ الفرق بين الرسول والنبي بأنَّ الرسولَ هو مَنْ أُوحي إليه برسالة جديدة وشرع جديد ، أما النبي فهو المبعوث لتقرير رسالة وشريعة سابقة ، لكن هناك من العلماء من يرى بأن النبي هو الذي أوحي إليه بشريعة لكنه لم يكلف بتبليغها للناس ؛ بينما كلف الرسول بتبليغ الشريعة التي أوحيت إليه ، وفريق ثالث من العلماء يرى أن لا فرق بين النبي والرسول فكل نبي رسول وكل نبي رسول .
اتفقت دعوة الأنبياء والرسل من لدن آدم عليه السلام وحتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في أصل الدين ؛ وهو توحيد الله تعالى بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ونفي ما لا يليق بكماله سبحانه ، وأما فروع الشرائع وتفاصيل أحكام الحلال والحرام فيها فتختلف في غالبيتها من شريعة إلى أخرى لحكمة بالغة ، قال تعالى { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } المائدة 48 .
وبما أن الله سبحانه أرسل في كل أمة رسولاً على الأقل فعدد الرسل كبير لكننا لا نعلمه ، ونؤمن بأن أولهم آدم عليه السلام وآخرهم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } الأحزاب 40 ، وقد ذكر لنا القرآن الكريم أسماء 25 نبياً ورسولاً منهم فقط ، قال تعالى { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً } النساء 164 ، بينما ذكر لنا قصص بعض الرسل بغير أسمائهم ، كقوله تعالى { وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ } يس 13-14 ، وهناك رسل لم يذكر القرآن الكريم أسماءهم أو قصصهم ، فيجب علينا أن نؤمن بهم جميعاً من عرفنا ومن لم نعرف .
يتفاوت الرسل في المرتبة والأفضلية عند الله سبحانه ، قال تعالى { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } البقرة 253 ، وأعلاهم منزلة أولو العزم أي ذوو الجد والحزم والصبر ، وسماهم الله بذلك لما تميزوا به من الهمة العظيمة في الدعوة إلى الله، والصبر على ما نالهم من الأذى البليغ في سبيل الله والثبات في مواجهة الباطل والقوة في الحق ، قال عز وجل فيهم { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } الأحقاف 35 ، وقد استجاب صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فصبر واحتمل في سبيل دعوته ما لا يحتمله بشر ، والرسل أولوا العزم جمعهم قوله جل وعلا { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } الشورى 13 .
وإرسال الرسل الذين يبلغون الناس رسالات ربهم وشرائعه ضرورة عقلية ، فلو لم يرسل الله تعالى رسله لعباده لَصُعَب على البشر التعرف وحدهم إلى تلك التشريعات والأحكام التي تنظم شؤون حياتهم ، وَلَمَا عرفوا ماذا يريد الله منهم أو كيف سيعبدونه على الوجه الذي يرتضيه ، ولكان من غير العدل أن يحاسبهم يوم القيامة على ما فرَّطوا وقصروا في عبادته والاستجابة لأوامره ، ولَقَامَت بذلك الحجة للعباد على ربهم ـ تعالى الله عن ذلك ـ لذا فقد قطع الله عليهم الحجة فلم يَبْقَ لهم عذر على الكفر والعناد ومخالفة شرعه بإرسال الرسل ، قال تعالى { رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } النساء 165 .
ونؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أيَّد رسله بالمعجزات وهي ما يجريه الله سبحانه على أيدي الرسل من خوارق أنظمة الكون والمألوف من الأمور المعتادة تصديقاً لهم وتحدياً لمنكري الرسالة ، ومن الأمثلة عليها :
* من معجزات سيدنا عيسى عليه السلام شفاء المرضى وإحياء الموتى والإخبار بالغيب ، قال تعالى عنه { وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } آل عمران 49 .
* ومن معجزات سيدنا موسى عليه السلام تحول عصاه حية تسعى ، قال تعالى { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى } طه 17-22
* وأما المعجزة الكبرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم ، المعجزة الخالدة التي لا تنقضي إلى يوم الدين ، الكتاب الذي تحدى الله به الجن والإنس وفي مقدمتهم العرب أن يأتوا بمثله ، إلا أنهم عجزوا عن ذلك على الرغم من بلاغتهم الفائقة ، قال تعالى { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } يونس 37-38
ووجه الإعجاز الأساسي في القرآن الكريم هو بلاغته وبيانه ، ومع ذلك فهو يتضمن أوجه إعجاز أخرى ، فالإعجاز التاريخي بإخباره عن الأمم الماضية ، والإعجاز التشريعي بما يشتمل عليه من تشريعات أصبحت اليوم مرجعية لكثير من الأحكام والقواعد القانونية والسلوكية في كثير من دول العالم المعاصرة ، والإعجاز العلمي بالحقائق العلمية التي ذكرها القرآن الكريم ؛ كقوله تعالى مثلاً { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } الرحمن 33 .
والخلاصة أننا من حيث الإيمان والاعتقاد والتصديق القلبي الكامل نؤمن إيماناً إجمالياً بجميع الرسل ونحبهم ونوقرهم ونعظمهم ولا نفرق بين أحد منهم من حيث وجوب الإيمان بأن الله عز وجل هو من بعثهم وكلفهم بتبليغ رسالاته ، ولكننا نؤمن على وجه الخصوص بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من حيث التطبيق والعمل والاتباع والحب ، فلا يسعنا بل لا يسع أي إنسان بعد مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا الإيمان به واتباع رسالته وتطبيق شريعته وتنفيذ أحكامه ، فهو المبعوث من الله سبحانه للناس كافة ، وجاءت شريعته ناسخة لجميع شرائع الرسل قبله ، فلا دين إلا ما بعثه الله به ولا متابعة إلا لهديه . قال تعالى { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } آل عمران 85 .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى