آراء وكتابالرئيسية

المساءلة الذاتية والاخلاقية

الحياة نيوز- د.زهير الطاهات – تناول كثيرٌ من الأقلام موضوع المساءلة بوجهٍ عام، وتحدثوا بشكل خاص عن الأشخاص الذين يديرون مؤسساتٍ عامةً وخاصة، وَكَثُرَ عدد المنظرين في هذا الجانب، وربما نسوا او تناسوا الرقابة الاسمى والأرقى من ذلك، وهي الرقابة الذاتية، وكثر عدد من يتقوّل على الناس ويلقي التهم عليهم بالفساد والإفساد، ويطالب بمساءلتهم دون ان يكون لديه اي مستند قانوني يستند إليه في ادّعاءاته؛ وطالت ألسنة مثل هؤلاء الأشخاص وهم خارج حدود المسؤولية، او ممن ليسوا من اصحاب المناصب او اتّخاذ القرارات، ثم تتوقف انتقاداتهم وألسنتهم فجأةً عندما يُعهدُ إليهم بتحمّل مسؤوليات مهما صَغُرَ أو كَبُرَ حجمها، وينطبق على بعضهم القول: كلمة حق يراد بها باطل.

واتفق مع قول الأستاذ الدكتور انيس الخصاونة في مقالته التي نشرتْها وكالة عمون: “إنَّ المساءلة شيء ربما مختلف من حيث أنها قد لا تفضي دوما إلى فساد”، وانا اشاطره الراي، من منطلق أنّ الفاسد قد يحمي نفسه بالقوانين والانظمة، مما يحول دون المساءلة، وبالتالي إلى عدم الوصول إلى نتائج تبين عمق الفساد وآثاره السلبية على الوطن والمواطن، وبذلك تتجرد المساءلة من الهدف الحقيقي الذي تسعى إلى الوصول اليه، ويبدو أن الفاسد على درجة عالية من إتقان دوره بمهنيةٍ واحتراف، ويتمتع بقدرة على المراوغة، والتسلح شكليا بالقوانين والتشريعات، ومن هنا جاء قول عامة الناس: إنّ فلان حرامي شاطر.
وللفاسد اساليب شتى في التخفي، بارتداء ثياب الواعظين والاقنعة المشينة التي تُجنّبهُ الوقوع في شرك التشريعات، فيعرف جيدا كيف يناور ويتخلص من حدود القانون.

الفاسدون هم اكثر الناس تنظيرا، ويرفعون شعار الوعظ دائماً، واكثر الناس تظاهراً بالدفاع عن القوانين والتشريعات والأنظمة والتمسك بها، بل إنّ لديهم قدرة على تشريع فسادهم، مستندين إلى عددٍ من التشريعات والقوانين والانظمة، واذا حدث واخطأ احدهم في اتخاذ قرار ما، وتم لفت نظره الى أن خطأه شبيهٌ بخطأ سابقٍ مشابه، نراه يعلن أن هذا الخطأ لا يقاس عليه.

واذا أراد الفاسد ان يشرعن امراً فاسداً، نراه بارعاً في تغيير التعليمات الناظمة لذلك، وهو جاهز باستمرار إلى إلغاء التعليمات التي لا تصب في مصلحته في النهاية. وكل ذلك يخضع لمزاجيته وفهمه للإدارة واتخاذ القرارات.

لعلّ الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة اكثر من كتب بصفةٍ علميةٍ وحرفية حول المساءلة، عندما وصف المساءلة بقوله: ” أن المساءلة ظاهرة حضارية جداً وتعكس مستوى الفكر والتقدم في المجتمع ، وان المساءلة ليست بالضرورة مقتصرة على شبهات الفساد، وإنما قد تتعلق بالتقصير في أداء المهمة”.
وأتفق مع الدكتور الخصاونة في ذلك، وهذا أمر يلزمنا باختبار الكفاءات الوطنية بكل عناية، وعدم التسرع في ذلك، لكنني اختلف معه في أنّ التقصير في اداء المهمة ليس فساداً ، بل إن التقصير في اداء المهمة هو تدمير للأهداف التي تسعى المؤسسة الى تحقيقها، وهو ناتج عن عدم الكفاءة، وبالتالي فهو يؤدي الى نتائج خطيرة ومدمرة على المؤسسات والهيئات.
والتقصير في اداء المهمة ينبغي ان يُفضي إلى تقديم المسؤول استقالته فوراً، ومغادرة المنصب، وما اكثر أعداد المسؤولين الذين ينبغي عليهم الاستقالة من مناصبهم.

وأود الحديث في عجالةٍ عن المساءلة الذاتية التي هي أعمق وأبعد من المساءلة الشكلية، والتي تنبع من ضمير المسؤول ووجدانه، والمساءلة الذاتية اذا تعطلت، تكون نتائجها وخيمة وكارثية لكل مسؤول ليس لديه المساءلة الذاتية المبنية على مبادىء الاخلاق الحميدة .

ان الحديث عن المساءلة، وبعد مروري بخبرةٍ طويلة بدأت منذ عام 1988 في القطاعين العام والخاص، وتجاوزت ثلاثين سنة حتى الآن، كصحفي واكاديمي ، ومدير اداري، هي بالدرجة الأولى، وأكاد ان اجزم أنها مساءلة ذاتية وأخلاقية، وهي رقابة نفسية وانسانية ترتبط بتربية الانسان، ويمكن أن تشكل اطاره المرجعي، وهي انعكاس لمخزونه المعرفي، وتستند إلى اسس ومبادىء أخلاقية، وقد تغنينا عن المساءلة بمفهومها العام. واعتقد أن كل مسؤول لا يمتلك المساءلة الذاتية الاخلاقية، قد يكون أو يصبح فاسدا بحرفية ومهنية، حتى لو طبقنا عليه كل ادوات وتقنيات وحرفيات المساءلة والرقابة، فاننا لن نستطيع ان نثبت عليه اي نوع من انواع الفساد، وما اكثر الفاسدين في مؤسساتنا العامة والخاصة.
وأودّ الإشارة إلى وجوب ان نفرّق بين الادارة في الجامعات والادارة في المؤسسات الاخرى، لأنَّ الادارة المسؤولة عن بناء الانسان، ليست كالإدارة في شركةٍ لبيع اطارات السيارات، او شركات المنظفات على سبيل المثال، على الرغم من اهمية هذه الشركات التي عليها هي الأخرى أن تحرص على تنظيف الادارات التي غابت عنها المساءلة الذاتية .
لذلك فان ادارات الجامعات بشكل عام تحتاج الى ليونة ووضوح في اتخاذ قراراتها، وإلى التعّرف إلى طبيعة البيئة الجامعية، وإلى مسؤولين من اصحاب الضمائر الحية، الامينة على مستقبل ابنائنا، والتي تضع نُصُب عينها أن من مصلحة الوطن ومستقبله في إعداد أجيال من الكفاءات القادرة على المساهمة في بناء الوطن والمجتمع وتطويره.

والجامعات على هذا الأساس هي مؤسسات ذات طبيعة خاصة تحتاج الى ادارة من نوع خاص، تكون درجة المساءلة والرقابة الذاتية فيها عاليةً جداً، لأنها مسؤولة عن بناء العقل، وهي في الوقت نفسه مؤسساتُ توجيهٍ وطني وبناء انساني، لذا فهي وبلا شك تختلف اختلافا كبيرا عن اشكال الادارات الاخرى .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق