الرئيسيةتحقيقات صحفية ومقابلات

خبير: هذه الأسباب وراء ارتفاع وتيرة العنف في مجتمعنا الأردني

يجب ملأ الفراغ في الفضاء الإلكتروني بكل ما هو إيجابي ويرفض العنف

سلوكاتنا العنيفة مرتبطة بثقافتنا ذات الجذور الصحراوية القائمة على المغالبة

تتعرض المرأة الأردنية في كثير من الأحيان للضغوط والصدامات فقط لأنها امرأة

يجب أن تبقى قيمة النفس الإنسانية مكرمة كما أرادها الله حتى يستقر مجتمعنا

ما زالت تحديات جائحة كورونا مستمرة في إعطائنا عناوين وإشكالات جديدة

 

الحياة نيوز – عبّر خبير علم الاجتماع الدكتور حسين محادين، عميد كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة، في تصريحاته لـ “البوصلة” عن أسفه الشديد لارتفاع وتيرة العنف في المجتمع الأردني بعد جائحة كورونا، خاصة ما تتعرض له المرأة الأردنية في كثير من الأحيان وبغير وجه حق وبصورة مخالفة للقوانين من ضغوطات وصدامات فقط لأنها امرأة أي فقط على أساس النوع الاجتماعي.

وقدم محادين قراءة موضوعية لهذا العنف المتزايد رابطًا إياه بثقافتنا الأردنية ذات الجذور الصحراوية “المغالبة”، التي غالبًا ما تميل إلى استخدام العنف اللفظي أو الجسدي، مؤكدًا في الوقت ذاته على ضرورة تظافر الجهود بدءًا من الأسرة وانتهاء بالقوانين والتشريعات الناظمة لتعزيز ثقافة الحوار واحترام الآخر.

وشدد على أن المجتمع الأردني لن يصل إلى حالة من الاستقرار إلا إذا آمنّا كلٌ من زاويته أن قيمة الإنسان يجب أن تبقى قيمة مكرمة كما أرادها الله عزّ وجل، وكما تصونها حقوق الإنسان والدستور وقيم المواطنة.

محادين: السلوكات العنيفة مرتبطة بثقافتنا ذات الجذور الصحراوية المغالبة التي غالبًا ما تميل إلى استخدام العنف اللفظي أو الجسدي

عوامل أسهمت بتفاقم العنف

ويرى محادين أن “المجتمع الأردني يمر بتحولات متسارعة وفقًا لمستويين؛ هما المستوى الداخلي ممثلاً بالظروف التي سبقت جائحة كورونا من بطالة وفقر والضغوط الاقتصادية، واستكملت حلقاتها الضاغطة على الضمير الجمعي “الحس الجمعي” لمجتمعنا أثناء أزمة كورونا، بالإضافة للمستوى الخارجي المرتبط بوجودنا وسط إقليم ملتهب وسعيٍ دوليٍ محموم لفرض صفقة القرن وما يترتب عليها من تداعيات وتأثيرات سلبية على الأردن”.

ويضيف “رغم تقديرنا لما أنجز من ريادة أردنية في الوقاية من هذه الجائحة، لكن الذي ترتب عليها أي ما بعد كورونا، ما زالت آثاره متواردة العناوين، فالعنوان الاقتصادي ليس بوسع أحد أن يحسمه وفكرة دعم صندوق همّة الذي كان يفترض أن يشكل معيارًا حقيقيًا ودقيقا لفكرة التكافل الاجتماعي التي لطالما تغنينا فيها، بما في ذلك أو بشكل محدد أصحاب رؤوس الأموال، وقد جاءت مع الأسف أقل بكثير من التوقع”.

وينوه خبير علم الاجتماع إلى أن “هذا الواقع المر، أكد أن على أن هناك مسافة ذهنية وسلوكية بين أبناء المجتمع البنّائين في الحرف والشرائح الدنيا، وبين القلة التي تملك الكثرة، والتي لم تنجح في التعبير عن امتنانها الضمني أنها قد راكمت أموالها وأرباحها من خلال منجزات الوطن وأبناء الوطن الذين عملوا معهم واستغلوهم، ولذلك جاءت هذه الصدمة كبيرة ومتعددة”.

ويتابع حديثه بالقول: “النقطة الأخرى التي يجب أن نتحدث عنها، أن فكرة توزيع مكتسبات التنمية بالنسبة للمحافظات مقارنة بالعاصمة ما زالت متدنية، فعمّان التي نحب تستأثر قرارًا وتمثيلاٍ سياسيًا وعملًا بالكثير مما يجب أن يكون موزعا بنوعٍ من المعيارية أو العدالة، لأن الهدف هو جعل الوجدان الشعبي الأردني يلتف حول منجزات الدولة؛ الشهداء والمدارس والجامعات والطب والعدالة القانونية”.

المزاج العام المتوتر

ويؤكد محادين على أن “كل هذه العوامل جعلت المزاج العام مزاجًا متوترًا، وبالتالي انعكست على سلوكات عنيفة متعددة جذورها مرتبطة بثقافتنا ذات الجذور الصحراوية المغالبة، التي غالبًا ما تميل إلى استخدام العنف اللفظي أو الجسدي وما شابه ذلك أكثر من استخدامنا لقيم الحوار وتعميقها”.

“وخصوصًا ما يتعلق في المرأة تتعرض للأسف في كثير من الأحيان، بغير وجه حق وبصورة مخالفة للقوانين إلى ضغوطات وإلى أحيانًا صدامات فقط لأنها امرأة أي فقط على أساس النوع الاجتماعي”، وفقًا لمحادين.

ويضيف أن “هذه العوامل مجتمعة، مرتبطة في إقليم ملتهب وهو العامل الثاني الخارجي المتعلق بالإقليم والعالم، وبدت فكرة تأثيرات الإقليم علينا من خلال استمرار الحصار، ولنعترف أننا محاصرون في الأردن من أشقائنا منذ عام2011، فنعاني ويعاني الاقتصاد الأردني من الخذلان، ومن الحيلولة دون استمرار هذا الكيان محترمًا لتعدديته ولإنجازاته”.

ويستدرك بالقول: “لعل قضية القدس التي لا تقل أهمية عن تأثيرات الكورونا كانت مفصلاً مهما في علاقة الأردن مع بعض أشقائه، الذين ذهبوا مباشرة إلى “إسرائيل” ولم يعد الدور الأردني المتفاعل كما هو من قبل حسب وجهة هؤلاء الذين كانوا يعتقدون أن دعمهم بكل عناوينه من شأنه أن يساعدهم على التواصل مع أطراف الإقليم العرب وغيرهم”.

النقطة الثالثة بحسب محادين، تتعلق بالعالم، فيقول: “ولذلك جاء العالم بقرار صفقة القرن ومصاحباته واستمرت هذه الضغوط بالتجدد والتوزع، ووجدنا أن المزاج العام يقوم في غالبيته على ضبابية المستقبل لماذا؟ لأن ليس هناك مصدر قوي مقنع من شأنه أن يبدد مثل هذا الغموض الذي يتسم بالانفعال الشعبي”.

ويقول محادين: ليس لدينا للأسف أطروحات إجرائية من شأنها أن تجعل المواطن الأردني يعيش ضمن إمكاناته، فلا بد من الاعتراف أن الأردنيين الذين نحبهم أناس يعيشون بمستوى طموحهم وليس بقدر إمكاناتهم المادية، ولذلك لا غرابة أن نجد مواطنًا أو أكثر يجد في الأردن أنه لا يقل تأثيرًا عن أمريكا في الكون.

ويستدرك بالقول: لذلك نجد أن الأردني مشغول بكل الملفات بشكلٍ لافت في الإقليم والعالم العربي، وتركيا نموذج على سبيل المثال، في الوقت الذي لا يعنى باقتراح إجرائي لحل مشكلة محلية أو تحدٍ وطني أو بشكل أو بآخر على مستوى الوطن.

ويشدد على أن هذه العوامل كلها جعلت من فكرة التوتر فكرة مهمّة وحجم التسارعات باتجاه صعود القيم الفردية، كتأثيرات مصاحبة للعولمة، ووجود التكنولوجيا أضعف العلاقات الاجتماعية الوجاهية، ومنح الأفراد من الجنسين حرية اختيار الأصدقاء واختيار الفكرة التي كانت في أحيان كثيرة عابرة للجغرافيا وعابرة للواقع الذي نعيشه.

الفجوة الجيلية والتكنولوجيا

وينوه محادين بالقول: لذلك نجد أن الفجوة الجيلية داخل مجتمعنا الأردني جراء التكنولوجيا وصعود القيم الفردية وإعادة ترتيب منظومة القيم الاجتماعية، لا سيما وأن كثيرًا من القيم النبيلة التي نعيشها قبلاً تراجعت وأصبحت تصب في صالح الرقم والمصلحة والآنية في المواقف.

ويضرب على ما ذهب إليه سابقًا بالقول: “لنا فيما حدث في مجلس النواب بالأمس ما يمكن أن يستنتج، لماذا أصبحت العقلية الأردنية بهذه السرعة بالتبدل في المواقف والآراء، ولماذا تراجعت الكثافة الدينية، ولماذا أصبحت الفردانية هي سيدة الموقف على أساس المصلحة وعلى أساس عدم الاعتبار لوسيلة الثراء والدخل المالي عند أكثر الناس، أي أصبحت فكرة الثراء أو الحصول على المال غير مرتبطة بشرعية الوسيلة عند البعض”.

ويحذر محادين في الوقت ذاته من أن هذه جزء من مظاهر التحولات التي انعكست على مجتمعنا، جراء سيادة ثقافة الرقم، وفي جائحة كورونا اختبرنا جميعا ولكن ما زالت التحديات خلف هذه الجائحة مستمرة في إعطائنا عناوين وإشكالات جديدة مع التقدير لكل ما أنجز.

ويؤكد أن الأردني بكل فخر قد حول التحدي إلى إنجاز وغدت معطيات الحياة اليومية أكثر استقرارًا رغم بقاء جزء كبير من المشهد بحاجة إلى تفسير وبحاجة لوجود مصادر موثوقة لتبديد الخوف الجمعي الذي يعيشه نسبة من الأردنيين.

وينوه إلى أنه “لا بد من التذكير أن النخبة الأردنية ما زال دورها للأسف أضعف من أن تؤثر في وعي وحركة الشارع، واتخذت لنفسها موقعًا قصيًا عن حركة الشارع وخشية الشارع من قادمٍ هنا أو تحدٍ هناك”.

ما هو الحل لتفاقم العنف في المجتمع؟

ويرى محادين في تقديمه لوصفة العلاج لظاهرة العنف المتزايدة أنه “لا بد من القول أنه أصبح الخلاص فرديًا في ظل مجتمع جذوره الثقافية لا تخلوا من العنف في التعامل ما بينه، ليس على صعيد المرأة أو الإنسان بشكل عام رجلاً كان أو امرأة، وإنما في تعاملنا مع المنجزات المادية، ولننظر كيف يتعامل الأردني مع سياراته حينما يدخل إلى الدوار، ولننظر كيف يمارس الأردني طريقة الانتظام في الدور وإعطاء الأولويات، ولنشاهد كيف يبث للأسف بعض خطابات الكراهية هناك وهناك عبر مواقع التواصل وهي الأكثر انتشاراً، مقابل تراجع تأثير العقل الرشيد والتضامن الجمعي والسعي أيضًا إلى فكرة أننا يمكن أن نتكامل وليس بالضرورة أن نتضاد”.

ويقول: نلاحظ أن هناك أطروحات لمحاربة الفساد على سبيل المثال، وعندما تبادر الدولة في مشروع بهذا الحجم، نجد أن هناك كثيرًا من الأسئلة الاستنكارية والاستفهامية من أناس لطالما طالبوا بتطبيق القانون في محاسبة الفساد، ونحن لا نتحدث عن حالة بعينها وإنما عن سيكولوجية الأردني عندما يتعلق الأمر بأن تشمله هو وليس الآخر.

“من هنا أرى ضرورة العمل على زيادة التوعية من خلال المؤسسات الاجتماعية المختلفة انطلاقًا من الأسرة، والتأكيد على قيمة الإنسان أيًا كان رجلاً أو امرأة طفلاً أو غيره”، وفقًا لمحادين.

ويذهب الخبير في علم الاجتماع للتأكيد على ضرورة استثمار الدور الديني الذي تقوم به المساجد والكنائس كونها مؤسسات دورية الالتئام والتأكيد على إمكانية ملأ الفراغ في الفضاء الإلكتروني بكل ما هو إيجابي وكل ما من شأنه أن يعمّق إيمان الأردنيين بالمنجزات القانونية والحياتية، ومن شأنه أن يجعل درجة قبولنا لأي آخر درجة سلمية في الحوار والنقاش وليس بالصدام أو المغالبة.

ويقول محادين: النقطة الأخيرة الضرورية، أعتقد أنها في كثيرٍ من الأحيان ننشغل كأردنيين بما هو عربي وإسلامي ونتجاوز أولوياتنا الوطنية التي نعتقد أنها هي القاعدة الأساس لدعم الأشقاء العرب والمسلمين في كل العناوين.

ويختم حديثه بخلاصة مفادها أنه “لا يمكن أن نصل إلى حالة من الاستقرار إلا إذا آمنّا كلٌ من زاويته أن قيمة الإنسان يجب أن تبقى قيمة مكرمة كما أرادها الله عزّ وجل، وكما تصونها حقوق الإنسان والدستور وقيم المواطنة”.

(البوصلةرائد الحساسنة

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق