آراء وكتاب

( … عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير … )

هذا هو الإسلام

الحياة نيوز- الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
يتعرض العالم كله اليوم لنازلة مرضية اجتاحت سائر أقطاره ، إنها فيروس كورونا المستجد الذي أصاب الملايين من الناس وحصد أرواح مئات الآلاف منهم ، وما زالت البشرية عاجزة عن إيجاد دوائه على الرغم من جهود العلماء والباحثين ، لكننا على يقين بأن الله عز وجل قد وضع له الدواء الناجع ، فندعوه سبحانه أن يهيء للبشرية من يكتشفه ، قال صلى الله عليه وسلم { ما أنزل الله عز وجل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله } رواه الحاكم وصححه الذهبي .
وهنا أود التأكيد على أن هذا المرض جعله الله سبحانه وتعالى بلاءً للمؤمنين ورحمة لهم ، فقد { سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال ” إنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء ، فجعله الله رحمة للمؤمنين } رواه البخاري ، فمن توفاه الله تعالى بسببه نحسبه من الشهداء لقوله ﷺ { ما تعدون الشهداء فيكم ؟ قالوا يا رسول اللَّه من قُتل في سبيل اللَّه فَهو شهيد . قَال إن شهداء أُمتي إذًاً لقليل ” قالوا فَمن يا رسول اللَّه ؟ قَال من قُتل في سبيل اللَّه فهو شهيد ، ومن مات في سبيل اللَّه فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات في البطن فهو شهيد ، والغريق شهيد } رواه مسلم ، فالمبطون هو من أصابه داء البطن ، وكل أدواء البطن التي تكون سبباً للموت داخلة في المبطون ، ومثل هؤلاء الشهداء من مات حرقاً أو تحت الهدم أو بحوادث السيارات وغيرهم ، فمن كرم الله وفضله أنه أعطى هؤلاء وأمثالهم أجر الشهداء لا منزلتهم .
وأما المصاب بهذا الفيروس وغيره من الأمراض الفتاكة القاتلة فله عظيم الجزاء والأجر والثواب إذا اعتقد أنه ما أصابه من قدر الله خيره وشره لم ليكن ليخطئه فصبر واحتسب ، قال صلى الله عليه وسلم { عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له } رواه مسلم
إن من سنن الله الثابتة في عباده المؤمنين وقوع الابتلاءات فيهم بالنفس والمال والولد وغيرها ، وقد مضت هذه السنة في العباد متفاوتة بدرجة تفاوت إيمانهم ، فقد سئل صلى الله عليه وسلم { أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه } رواه الترمذي ، فكان أنبياء الله ورسله أعظم عباده بلاء وأعظمهم صبراً وثباتاً ، فالمؤمنون يتعرضون للاختبار بالشدائد على أنواعها ليُعرف صدقهم ودرجة إيمانهم ، ولتكشف معادنهم وتتميز صفوفهم ؛ قال تعالى { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } العنكبوت 3 ، فالمواقف تترجم ما في القلوب , وبها يظهر الأصيل من الدخيل ويعرف المخلص من المغرض .
ولكن الله سبحانه لم يقدر المحنة لتهلك المؤمن , بل لتمتحن صبره وإيمانه ، فمراتب الكمال متعلقة بالصبر ، وهو سبحانه يضاعف الأجر والثواب لعبده على صبره ورضاه بقدره وإخباته لابتلاء ربه ، ولا يحسبن المبتلى ما دام طائعاً عابداً أن ربه عز وجل غاضب عليه ، قال صلى الله عليه وسلم { إذا أحب الله قوماً ابتلاهم , فمن رضي فله الرضا , ومن سخط فله السخط } رواه الترمذي ، فالجزع لا يليق بالمؤمن ، والجزع هو قلة الصبر وضعف الهمة عن الاحتمال ، وإكثار الشكوى والتظلم من البأساء والضراء .
والرضا قرين الصبر, فإذا اجتمعا فقد اجتمع للمؤمن التكفير والثواب ، فالمصائب كفارات للذنوب ، قال صلى الله عليه وسلم { ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة } رواه الترمذي . وللمؤمن أن يرتقي إلى أعلى منزلة من الصبر والرضا بالشكر ، فيرى المحنة منحة تبلغه منزلة لم يبلغها بعمله , فمن اشتد خوفه بكى ، ومن اشتدت مصيبته دعا , وهذا الوقت عصيب ، وهو ساعة إجابة وساعة صدق في الطلب وما دعا صادق إلا أجيب ، قال تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } البقرة 186 . لذا فالمؤمن لا يخاف المحنة بل يستبشر بها لأن ثباته قوة يصغُرُ عندها ما يلاقيه من شدة وبلاء .
وضرورة المحن لأتباع دعوة الله ورسالته أن العزم والعزيمة والصبر والمصابرة هي السبيل إلى بناء الصفوة ممن يحملون قضايا الأمة ويبذلون لأجلها كل غال ونفيس ، فهم الذين يرسمون مستقبل الأجيال ، فالمؤمن الحق يوقن أن الأزمات والشدائد ، عاصمة له من قاصمة التخبط في ظلمات الفتن إذا تحرر فؤاده من رهبة القنوط والخوف ، وإذا أخذ أهبته لئلاَّ تباغته النوازل على غفلة منه ، فمن علم أن الله تعالى سيبدله بكل ذلك رضاً نفسياً وسكوناً قلبياً فقد صح إيمانه وخلص قلبه ؛ إذ لا يمكن للإيمان أن يجتمع مع الاعتراض على قضاء الله والسخط على أقداره .
وأساس الصبر نظرة المؤمن إلى الدنيا وإيمانه بأنها ليست دار جزاء أو حساب ، بل هي دار امتحان وعمل ، وهو دليل عظمة شخصية المؤمن وقوتها ، وعنوان هيمنته على نفسه وامتلاكه زمامها ، وعنوان الرجولة الناضجة والبطولة الفارعة ورباطة الجأش ، قال صلى الله عليه وسلم { من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه } رواه البخاري . فليس الصبر احتمال الجسم ثقل الأعباء فقط ، بل مغالبة أهواء النفس .
فالمؤمن إذا أصابه البلاء يصبر ويثبت ويسأل الله أن يقوي ظهره ليحمل الأعباء والآلام والأسقام ، وليس له أن يسخط ويلعن البلاء والضرر ، فهي مكفّرات ذنوبه ورافعات درجاته ، وكذلك ليس له الظن بأن الله نسيه فتلاحقت الشدائد عليه ، لا بل إن الله قد أحبه وقربه إليه منازل ربما ما كان ليبلغها بالتفرغ للعبادة ، قال صلى الله عليه وسلم { إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ؛ ثم صبَّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى } رواه ابو داود .
ويعدّ المؤمن في المصائب والمكروهات التي تنزل به قلبه الصبور ، وأفضل ذلك الصبر على الشدة وبالأخص عند الصدمة الأولى لعظم المشقَّة حينها ، أما بعد ذلك فيهون الأمر وتخف حدته ، فإن لمفاجأة المصيبة وبغتتها رعب يزعج القلب ويزلزله ، فقد { مرَّ صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال ” اتقي الله واصبري ” قالت إليك عني فإنك لم تُصب بمصيبتي ـ ولم تعرفْه ـ فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم ـ فلم تجد عنده بوابين ـ فقالت لم أعْرِفْكَ ، فقال ” إنما الصبر عند الصدمة الأولى } رواه البخاري .
فالصبر في هذه الحالة يثمر الراحة النفسية والقلبية منها , ويكسبه المثوبة عنها . فإن صبر طائعاً وإلاَّ احتَمَلَ همَّاً لازماً وصَبَرَ كارهاً آثماً ، فإن قدر الله واقع ولا مرد له ، قال تعالى { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً } الأحزاب 38 . وفي ذات الوقت ليس للمؤمن أن يتعجل همَّاً لم يأت , فأكثر الهموم أوهام كاذبة وأغلبها مخاوف ذاهبة ، وخير للمرء ألاَّ يزيد على همِّ يومه همَّ غده , فحسب كل يوم همُّه .
ولكنني أرى أنه لا بد لنا من الأخذ بالأسباب للوقاية من هذا الوباء الخطير والقضاء عليه من خلال الالتزام بالتدابير الصحية والتباعد الاجتماعي وتقليل المخالطة والتجمعات ، ولنا في مواقف الصحابة رضي الله عنهم عبرة ودرساً ، ففي السنة الثامنة عشرة للهجرة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتشر في فلسطين وبلاد الشام مرض الطاعون فكان رأيه عدم الذهاب إلى موطن المرض ، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه [ يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله؟ فقال له عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتَها بقدر الله؟ قال: نعم ] .
لقد عاش المسلمون في ظلّ هذا الوباء أيّاماً عصيبة ، فمات منهم عشرات الألوف ، فحينما مات معاذ بن جبل رضي الله عنه في هذا المرض واستُخْلِف عمرو بن العاص قام في الناس خطيباً فقال [ أيها الناس : إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار فتحصّنوا منه في الجبال ] ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم ، فكأنّه قصد أن هذا الوباء كالنار إذا لم تجد ما تحرقه خمدت ، فكانت نصيحته للناس أن يتفرّقوا في النواحي شيئاً من الزمن ، وهكذا قضي على الوباء بحمد الله ومنته .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى