آراء وكتاب

هذا هو الإسلام يوم الجائزة

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

وها هو شهر رمضان المبارك يمضي وتنقضي لياليه وأيامه ، فهنيئاً لمن صابر وصبر فيه ولمن ضيق مجاري الشيطان في دمه وعروقه بالجوع والعطش ، هنيئاً لمن صام نهاره إيماناً واحتساباً ولمن قام ليله إيماناً واحتساباً ، هنيئاً لمن رجا ربه ودعاه وابتغى رضاه ، قال تعالى { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } البقرة 186 ، هنيئاً لمن فطر فيه صائماً وأطعم جائعاً أو سائلاً ، هنيئاً لمن ناجى ربه بالقرآن آناء ليله وأطراف نهاره ، هنيئاً لمن أحسن إلى يتيم وفرَّح قلب أسير أو أحيا كبد مسكين ، قال تعالى { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } الإنسان 8 . هنيئاً لمن تقبله ربه في رمضان فغفر له ، فقد { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة آمين ، ثم ارتقى الأخرى فقال آمين ، ثم ارتقى الثالثة فقال آمين ، فلما نزل عن المنبر وفرغ قيل له : يا رسول الله لقد سمعنا منك كلاماً اليوم ما كنا نسمعه قبل اليوم ، قال : وسمعتموه ؟ قالوا نعم ، قال إن جبريل عليه السلام عرض لي حين ارتقيت درجة فقال بَعُدَ من أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما لم يدخلاه الجنة فقلت آمين ، وقال بَعُدَ من ذكرتَ عنده ولم يصل عليك فقلت آمين ، ثم قال بَعُدَ من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين } رواه الطبراني غداً أو بعده يفرح الصائمون ، قال صلى الله عليه وسلم { للصائم فرحتان يفرحهما : إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه } رواه مسلم ، ففرحة الصيام الأولى تغمر قلوب الصائمين وتبعث الرضا في نفوسهم وأرواحهم بزوال الجوع والعطش ، إنها فرحة فطرهم الحقيقية وعيدهم المنتظر ، فرحتهم بتمام الصيام والقيام والاعتكاف والدعاء . فالعيد هو الابتهاج بالتقرب إلى الله وطاعته ، هذه القيمة العليا التي يفرح بها المؤمن ويسعد بتحصيلها ، هذا هو ميدانه للتنافس في الخيرات والمسارعة فيها فاستحق الجائزة ، قال صلى الله عليه وسلم { إذا كان يومُ الفطرِ وقفتِ الملائكةُ فى أفواه الطُّرقِ فنادَوْا : يا معشرَ المسلمين اغْدُوا إلى ربٍّ كريمٍ يمنُّ بالخيرِ ويُثِيبُ عليه الجزيلَ ، لقد أُمْرتُم بقيامِ الليلِ فقُمتُم وأُمْرتُم بصيامِ النهارِ فصُمْتُم وأَطَعْتُم ربَّكم فاقبضوا جوائزَكم ، فإذا صلوا العيدَ نادى منادٍ من السماءِ أن ارجعوا إلى منازلِكم راشدين فقد غفرتُ لكم ذنوبكم كلها ، فهو يومُ الجائزةِ ويسمى ذلك اليومُ فى السماءِ يومَ الجوائزِ } رواه الطبراني . * وأول الواجبات على المسلم في يوم العيد أداء صدقة الفطر ، ويبدأ وقتها بأول يوم من رمضان ، لكنها تجب بغروب شمس آخر يوم من أيامه ، وينتهي وقتها بدخول وقت صلاة العيد ، فمن أداها بعد صلاة العيد فهي صدقة من الصدقات وتبقى ديناً في ذمته ، ويؤديها المسلم عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين كالزوجة والأبناء وغيرهم ، ودليل وجوبها أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين } رواه البخاري . والحكمة منها تكيفر الذنوب التي ربما بدرت من الصائم كسجود السهو للصلاة ، فهي تجبر نقصان الصوم كما يجبر السجود نقصان الصلاة ، فقد { فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين } رواه أبو داود ، لذا فقد فرضت على الجميع بمن فيهم الفقراء ، وفيها فرحة حقيقية للصائم بفطره ، وللمساكين وأهليهم بإدخال السرور إلى قلوبهم وتأمين طعامهم يوم العيد وإكرامهم عن ذل المسألة فيه ؛ قال صلى الله عليه وسلم فيها وفيهم { أغنوهم عن المسألة هذا اليوم } رواه البيهقي . * ويستحب للمسلم يوم العيد أن يتطيب ويتجمل ويلبس أحسن ما لديه من الثياب ، قال تعالى { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } الأعراف31 ، واقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه أنه { كان يغتسل يوم الفطر والأضحى ويلبس بُرْدَيْ حَبْرَة } رواه البيهقي ، وهما من ثياب اليمن القطنية الفاخرة ، ويستحب له أيضاً أن يأكل قبل صلاة العيد ، فقد { كان صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات يأكلهن وتراً } رواه البخاري . * ومن المستحبات سُنَّةُ التكبير يوم العيد ، وينتهي بانتهاء الخطبة ، فلنكبر الله تعالى يوم الفطر امتثالاً لأمره سبحانه ، فقد قال تعالى عقب آيات الصوم { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } البقرة 185 . * ويسن للمسلم أداء صلاة العيد فرحاً بأنْ بلّغه رمضان فأتمه ، وجعله موسم طاعة فاغتَنمه ، فالسجود لله على النعمة هو من صور شكره سبحانه ، وهي من أول العبادات يوم الفطر ، وهي سنة مؤكدة واظب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا الجميع إلى شهودها وحضورها ، فقد { كان يأمر النساء بالخروج في العيدين ليشهدن الصلاة فَيَكُنَّ خلف الناس يكبرْنَ مع الناس } رواه مسلم ، لأن الخروج إليها إظهار لشعيرة من شعائر الإسلام ، ويجوز أداؤها في البيت لمن لم يتمكن من أدائها في المسجد بالكيفية ذاتها . * وتستحب التهنئة بالعيد ، وتكون بكل ما يسرّ ويسعد الإنسان في دينه ودنياه من عبارات التمني والدعاء مما لا يخالف شرع الله تعالى ، ومن قُبلت طاعته في يومٍ كان ذلك اليوم عليه مباركاً وعيداً ، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا الْتَقَوْا يوم العيد يهنئون بعضهم فيقول المسلم لأخيه تقبل الله منا ومنك . فليهنىء بعضنا بعضاً إذا الْتقيْنا في هذه الظروف الاستثنائية أو بأية وسيلة من وسائل الاتصال ، فيقول المسلم لأخيه : عيد مبارك عليك أو أحياكم الله لمثله ، واليوم يقول الناس لبعضهم : عساكم من عواده ، أو كل عام وأنتم بخير . * ويستحب إدخال الفرحة والسرور إلى قلوب الأطفال ، وتزيينهم بالملابس وغيرها في هذا اليوم لإدخال الفرح إلى قلوبهم باللهو واللعب فالصغار يفرحون ويسعدون بذلك ، بل إن اللهو المباح واللعب البريء للكبار من المظاهر التي أباحها الله يوم العيد رياضة للبدن وترويحاً عن النفس ، فإن في هذا الدين فسحة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث بحنيفيّة سمحة ؛ دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها يوم فطر أو أضحى وعندها قَيْنَتان تغنيان ، فقال أبو بكر : مزمار الشيطان ؟ فقال صلى الله عليه وسلم { دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وإن عيدنا هذا اليوم } رواه البخاري ، ولكن لا يجوز اتخاذ العيد فرصة للغرق في الملذات الباطلة واللهو المحرم ، وقضاء أيامه في الاستزادة من الذنوب والآثام والمعاصي . * والعيد فرصة سانحة لصلة الرحم وذوي القربى ، فهي عنوان الأخوّة والتماسك في مجتمع الإيمان ، والصلة تقتضي الإحسان إليهم والعفو عن أساءتهم . وتتحقق بالزيارة الشخصية إن أمكن ، وتتحقق كذلك بالمعاونة وقضاء الحوائج بل حتى بالسلام أو بالاتصال كما في ظرفنا الاستثنائي الآن ، وتكون كذلك ببذل المال لهم إن كان مقتدراً وإن امكن إيصالها لهم اليوم ، فهو تكافل وصلة وصدقة ، قال صلى الله عليه وسلم { الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة } رواه الترمذي ، وليس المراد بالصلة أن تصلهم إن وصلوك ؛ بل أن تصلهم وإن قطعوك ، قال صلى الله عليه وسلم { ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَتْ رحمه وصلها } رواه البخاري ، وصلة الرحم لا يقصد بها الإحسان إلى الأقارب من النساء فقط ؛ بل هي شاملة للرجال والنساء لكن حق النساء فيها آكد ، وتتفاوت درجات الصلة بالنسبة للأقارب فهي في الوالدين أوجب ما تكون . * ومن السنن بعد رمضان وبعد الفطر صيام ستة أيام من شهر شوال ، ولا يشترط فيها التتابع بل يجوز تفريقها على مدار الشهر ، فلنحرص على صيامها فهي فرصة لا تعوض وموسم قد لا يتكرر ، قال صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر } رواه النسائي . تقبل الله منكم ومنا الطاعات ، وأعاد الله رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد علينا وعلى المسلمين جميعاً أزمنة عديدة ومديدة بالعزة والنصر والتمكين ، وباكتمال فرحة الجلاء والحرية والاستقلال وزوال الاحتلال ، وبتحرير مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيود الأسر . ونسأله جل وعلا أن يرفع ما نحن فيه من الغمة عن الأمة وعن جميع خلقه .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق