آراء وكتاب

مدينة بحجم القلب

الحياة نيوز-  أحمد حسن الزعبي- “شارع المدينة الطبية”..”قبل المدينة الطبية”..”بعد المدينة الطبية”..و”ين المدينة الطبية..مقابل المدينة الطبية”؟..لم تكن مدينة الحسين الطبية مركز اتجهاتنا الجغرافية وحسب ، أو نقطة ارتكاز بوصلتنا في معرفة عمان ، بل ما زالت مركزا لاتجاهاتنا العاطفية والوطنية أيضاَ…منذ وعيت على الدنيا وأنا أسمع أن مدينة الحسين الطبية هي الأولى في القلب بالمنطقة..وهي التي تستطيع أن ترسل اليه ابنك أو والدك بأصعب العمليات وتكون مطمئناً ، ففيها أيادٍ ماهرة وسمعة عالمية وادارة حصيفة وأناس يخافون الله ويحبّون الوطن..
مدينة الحسين الطبية تأسست عام 1973 كأول مدينة طبية عربية متكاملة ، وارتبطت بعقود طبية دولية عالمية لأهميتها مثل مايو كلينيك وغيره ، أجريت فيها عمليات زراعة الأعضاء كانت الأولى في الشرق الأوسط بما فيها زراعة القلب وكان ذلك مطلع الثمانينات، أخذت سمعة عربية وعالمية في غضون سنوات قليلة .
راقبوا أين كنا وأين صرنا أين كانت رؤيتنا وأين أضحت؟ قبل خمسين عاماً كنا نصرّ أن نكون الأول في كل شيء “أول مدينة طبية” أول اذاعة وتلفزيون، أول محطة حرارية ..أول مدينة رياضية وغيرها..الأردن كان مثالاً للتقدّم الطبي والتكنولوجي والصناعات الكيماوية كنا نهتم أن نكون رواداً في مواقعنا، لا منظّرين فقط للريادة من خلف الميكرفونات وأمام “بوسترات الحائط” والكلام المعلوك الذي يقال في كل مناسبة ..
لقد سمعت ما قاله اللواء شوكت التميمي مدير الخدمات الطبية الملكية عن المدينة الطبية بحسرة وألم كبيرين ، هذا الصرح الطبي الشامخ الذي كان يشار الى الأردن من خلاله طاله هو الآخر التهميش والإقصاء والديون ، عندما يتراكم على المدينة الطبية ديون بمقدار 376 مليون دينار ،وتهدد هذه الديون استمرا ريتها في تقديم الخدمات الطبية اللازمة لأكثر من ثلث سكان الأردن فهذه كارثة وطنية… شعرت بألم وحزن عندما تهدد بعض شركات الأدوية والأجهزة الطبية مدينة الجندي ، مدينة الشهيد، مدينة الجيش العربي ، المدينة الطبية بالتوقف عن التوريد بسبب العجز عن السداد، شعرت بألم وحزن عندما يتكلم عطوفة اللواء عن ضائقة بتوفير ديزل التدفئة وتراكم فواتير الكهرباء ، الأمر الذي يجعلك تشعر أن هناك شيئاً ما لا يرضاه عقل الدولة..أهم صرح طبي في المملكة والمنطقة يعاني التهميش والديون والعزل ، بدلاً من التفكير بالتوسع والتطور والبناء على المنجز ، صار جل التفكير كيف يؤمن “تنك الديزل” لتدفئة المرضى ..الحكومات كلها شريكة في حصار وعزل المدينة الطبية وإيصالها الى حالة التألم حالها حال مرضاها ، عندما يكون ديون المدينة الطبية على وزارة الصحة تقدّر ب59 مليون دينار ولم تسدد بعد..عندما تقوم الحكومة بتسديد ديوناً للشركات الخاصة وللقطاع الخاص والتحفيز الاقتصادي وتستثني الخدمات الطبية بالتأكيد هناك شيء مقصود..
أحيي اللواء شوكت التميمي على شجاعته وصراحته ووطنيته وحرقته على هذا المنجز، وكأن بين السطور نقول جميعاً بلسان واحد …لا نريد منكم أن تنجزوا جديداً..فقط حافظوا على المنجز الذي بناه من سبقنا..
وسأختم المقال بقصة حدثت معي في طفولتي..كان لدينا في بيت والدي ليمونة زرعها أبي عندما شيد البيت ، كانت تظلل شبّاك أمي ، وخير من يستقبل الضيوف في منظرها الخضر الوراف الخلاّب، تقدّمت هي الأخرى بالعمر ، تراجعت لم تعد تثمر ويبست الكثير من أغصانها..قالوا “نخلعها”..قلت لهم :لا..مجرد انها امتداد ليد أبي فهذا بحد ذاته “ثمر”، زرعت قرب ساقها “مدّيدة” فأورقت من جديد وكأنها استرقت الحياة من غصون الموت ثانية …إنها شجرة أبي..لن تطيعني يدي حتى على تقليمها!.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق