آراء وكتاب

ذكريات

الحياةنيوز- عبدالهادي راجي المجالي – ماذا كان يحمل الصباح البارد في الطفولة؟.. السواليف كانت مختلفة فنحن حين كنا نصحوا، وننطلق لمدارسنا، كنا نناقش ما فعله جبر في «أم الكروم»… كنا نتحدث عن أغنية (داليدا رحمة) التي بثها التلفاز مؤخراً: (من مين بدي أسرئك من مين).. وكان يستهويني فستانها، أنا أصلاً كنت شغوفاً بفستان (داليدا) أكثر من الأغنية.

كنا نناقش مسلسل (العلم نور) وما فعله الشيخ عفاش؟.. وأتذكر أن برنامجاً كان يبث أيام السبت، عن المصارعة.. كنا نشاهده، وكنت معجباً بأحد المصارعين الذي تنتهي نزالاته دائماً (بكتلة) ودماء..

ذات يوم قال أحد الطلاب لنا، إنه أمضى ليلته يأكل (هرايس)، وهذا أيضاً كان موضوعاً مهما للنقاش، وتطرقنا نحو الحديث عن (الهرايس).. وأردنا إثباتاً على صحة الادعاء فأخرج من حقيبته قطعة، من أهم إنجازاتنا في الليالي الباردة كانت (الهرايس).

كانت السواليف مهمة كثيراً في الصباحات الباردة ونحن نتجه للمدرسة، وكانت واحدة مصدرها إما التلفاز الأردني، وإما ما حدث في الحارة من منازعات.. وأحياناً، يخيم علينا الصمت ونحن نصعد شوارع أبو نصير.. حين تمر ليلى بمريولها الأخضر، كلنا كنا نعشق ليلى لكن أحداً منا لم يستطع أن يخطف قلبها، فقد خطفته الأيام..

في طفولتنا، كان الصباح متعلقاً بإنتاج الحب.. في قلب كل واحد منا مصنعاً للحب وكان الحديث عن (الهرايس) أهم من الحديث عن الوضع العربي، وكانت المعلومات الخطيرة، هي تلك المتعلقة… بجارنا (أبو ربحي) الذي اشترى سيارة جديدة، وأخطر المعلومات… هي التي تخص بنتا في الصف الثالث الإعدادي، قيل إنها تعلمت الحب للتو… ونحن مصرون على البحث عن هذا العاشق.

كل شيء تغير اليوم، لم تعد الهرايس مهمة، ولا المريول الأخضر عاد مهما.. وجبر الذي كان نجماً في «أم الكروم»، أصبح طاعناً في السن.. وتقاعد، وداليدا رحمة التي كنت أعشق فستانها تقاعدت من المهنة، ولم تعد تجد أحداً يكتب لها كلمات الأغاني..

لقد اغتيلت الذكريات واغتيلت السواليف.

أسوأ ما يمر على الشعوب في حياتها هو: حين تغتال ذكرياتها..

أي وطن هذا الذي تغتال فيه الذكريات؟

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق