ثقافة وفنون

د سعيد كاظم يتحدّث عن النقد والواقع النقدي

د سعيد كاظم يتحدّث عن النقد والواقع النقدي

الحياة نيوز – حاوره نوار الشاطر -في لقاء مع د. سعيد حميد كاظم/ باحث وأكاديمي وناقد عراقي حول النقد “علم وفن ودوره الحيوي.

نص اللقاء :-

*ما فائدة النقد، وماذا يعطي النقد للأديب؟

 النقد علمٌ وفن؛ إذ له دورٌ حيويٌّ ولا سيما أنّه يرتكز على مناهج متعددة، فهو دقيق الأسئلة وله أدواته ومفاهيمه ومصطلحاته الخاصة ، كما له اشتغالاته الواضحة، والناقد لأبدَّ أن يمتلك فكرًا خاصًا به ورؤيةً، إذ له ملكة خاصة تتكئ على استعداد طبيعي؛ لأنّ الناقد مؤسس ومنظّر، والناقد الحاذق هو من يشتبك بالمتون الأدبية المختلفة نصيّةً كانت أم سياقيةً وأن يعرف أسرار النص وتفاصيله وقوانينه الخاصة، وأن يحيط بالفلسفة والأدب والبلاغة والعلوم الأخرى كعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا والدين والفن، وكذا بالنسبة للعلوم الصرفة، وأنّ العملية النقدية هي عملية إبداعية، ولذا فهو يسهم في اجتراح مقاربات تسهم في بلورة ملامح إبداعية فنية وجمالية . أمّا السؤال ماذا يعطي النقد للأديب فإنّه يعطي للأديب صورةً أكثر حيادية لحقيقةِ عمله على وفق معطيات النص الأدبي فيقوم بتحليل التجربة الأدبية وبيان قيمتها الفنية والجمالية، وهو بعمله هذا إنّما ينعش النص الأدبي ويقدّم إغناءً للإبداع من خلال فتحه لآفاق جديدة، وهو يكشف عن قراءاته المتعددة.

*ما انطباعكم عن الواقع النقدي؟ هل يسير بموازاة النتاجات الأدبية؟

 -ربما يظن بعضهم أنّ النتاج النقدي لم يكن بمستوى يوازي النتاجات الأدبية، لكني أرى أن النقد يفتشُ عن الظواهر المتميزة في النص الإبداعي وكي تتحقق القناعة وتتبلور فهي تحتاج المزيد من الوقت والجهد، فهو ينعم النظر في تفصيلات الأحداث ويدقق في مجرياتها، كي ينم طرحه عن وعي بعدما أخضع النص الأدبي لمنطلقات فكرية، وأن يسبر الأغوار فيه لكشف أسراره، إذ تُعدّ عملية النقد عمليةً إبداعيةً، وأنّ حرفية النقد هي من تكشف طراوة التجربة من تماسكها، لهذا يعزو بعضهم تأخر النقد في مسايرة نتاجاته الأدبية على أنه تكاسل ينبئ عن فتور نقدي تجاه العطاء الأدبي، فليس من المهم وجود نتاج نقدي كمي بل لابدَّ من وجود نتاج نوعي جوهري  يكون مشرق البيان واللغة، وأن يتجلى فيه الهدف الواضح، إذ له لغته التي تحترف التعبير المطعمّة بالتجربة، والناقد الجاد هو من يغور في أعماق النص الأدبي ويستقرئ أدق شفراته على صعيدي السياق والنسق متبعة بتجربة ووعي، بل عليه أن يدرك أبعاد النص الأدبي ويتمثل جمالياته، لذا أنا أرى أنّ للمدونة النقدية الحضور المميز.

* بأيّة رؤية نقرأ النص الأدبي؟ وما هي حدود سلطة التلقي؟

– يتم الاعتداد بالنصوص الأدبية التي تهيء للقارئ إشباع أفق توقعه، لذلك ثمة دعوة للاختلاف والتعددية للنص الأدبي وأن يتميز بمستويات متعددة من القراءات المتنوعة كي يحظى بالحضور الدائم، وتأكيدًا لهذه الرؤية يقول الناقد ميشيال فوكو للنص مستويات متعددة من المعنى، والقارئ يعتد بالنص الذي يمنحه فرصة أخرى لتحقيق مطامحه، والتجربة الناضجة هي التي تؤشر وجودها نحو ملامح النضج وتأصيلها، بل تُعد انبثاق التجربة من خصوصيتها وإنما يتكرّس وجودها بما تقدّمه من استفزاز لذائقة المتلقي، وكلما كانت التجربة عميقة كلما أثبتت وجودها فليس مرغوبا أن تمنح رؤيتها من أول قراءة بل عليها أن تجعل المتلقي يعيش جماليات النص ليكتشف أسراره وإلا أصبح النصُ عاديًا، ولا يمتلك مقومات النص الأدبي.

  وإنَّ النص الزاخر بالرموز والدلالات والمعاني والصور يكون ذا رؤية، وهو من يحرّك القارئ للحدو وراء المعاني وكشف المخبوء وراء هذه الدلالات، إذ السعي وراء ماء المعنى مجلبةٌ لثبات النص الأدبي، وعلى النص الأدبي أن يهز وجدان القارئ ويثير نهمه وإلا  لايمكن أن نقول عنه نصًّا أدبيًا.

*ما المعوقات التي تقف حائلًا عن وصول النص الأدبي إلى المتلقي؟

 – واحدة من مشكلات الأدب العربي الحديث هي (التوصيل) وكيفية خلق علاقة بين المرسل والمتلقي، لذلك لا جدالَ في قصدية النص الإبداعي وسعيه إلى أن يكون ضمن التشكل الإرسالي وتوجهه نحو المتلقي، ولاسيما أن الأديب يسعى إلى أن يعقد ترابطًا بين الشفرة والسياق ووسيلة الاتصال على وفق مخطط جاكسون المعروف بـــ 1- الشفرة أسلوب المنشئ الخاص 2- السياق (المرجع) 3- وسيلة الاتصال (الاشتراك)، إذ يُعدّ المتلقي عبر عملية التفاعل والتمازج  منتجا آخر للنص، بل يسعى الأديب لسحب المتلقي للكشف عن النص وبناء المعنى وانتاجه من أجل الحصول على المصالحة القرائية التي تقترب من طموحات المتلقي، لذا تنفتح مساحة فعل القراءة ابتداءً من عملية الاستمتاع بتشكيل النص، وصولاً إلى الحدس بآفاقه ومراميه، من خلال تشغيل الرصيد المعرفي والثقافي، وتمثل عوالم ممكنه تؤطر تشكلاته ومفاصله، بين القيام باستحضار المهيمنات الثقافية السائدة لتكوين أفق انتظار وتوقع، وأن الدرس النقدي الحديث يعطي المتلقي دوراً في عملية التواصل الأدبي، وأن له مهمة فهم النص وتوجيهه في ضوء تفسيرات غير نهائية، وبهذا أكد أيزر أن عملية بناء المعنى تتحدد من خلال التداخل بين النص ومتلقيه وأن عملية إنتاج المعنى مرتبطة بــ (النص) في احتمالاته.

 *ماذا نقصد بالتجييل؟ وهل هو تنامي عقد من الزمان في الأدب أم ثمة ضابطة نقدية أخرى يمكن الركون إليها؟  ما مميزات التجييل؟

 – إنّ موضوعة التجييل خاضعة للجدل وهذه حالة صحية في المنظور النقدي كونها تتحرك بهذه الديمومة وليس لها أن تقف ساكنةً، لكنّ ما أود قوله أنّ التجييل أثبت فاعليته كونه استطاع أن يحلَّ بعض الاشكالات التقييمية التي واجهت النقد، أمّا فيما يخص رؤيته فقد تعددت وجهات النظر فيه، فمنهم من يرى حساسية عقد واحد من الزمن كافية لخلق رؤى متميزة، وللشاعر أن يرسم خطاه ويشق طريقة وسط منعرجاته، وهذا الرأي من الخطأ القول به فلا يمكن الركون إليه في تحديد مسار الإبداع، وإنّما الشأن في إقامة الجيل لتحديد مسار تجربة مميزة يحددها الإبداع، إنّ هذا الصنيع أضرم النار في الساحة النقدية وبعث دماً جديداً في النصوص الشعرية، حيث سعى كل جيل إلى أنْ يثبّت نفسه في ساحةٍ، ويسبغ على إبداعه (التفرد) و(التميز).

    وعليه-وبتعدد ومرور العقود على العراق- فقد كثر المتنافسون، وتعددت التجارب الإبداعية وتباينت الآراء النقدية حولها، ولذا أثرتْ فكرة (التجييل) في الحركة الأدبية في العراق فحرّكتها وزعزعت جمودها وسكونها ووجهت مضامينها إلى وجهات جديدة، لذا سعى كثير من أعلام تلك الكتابة إلى تصنيف المنجز الشعري والنقدي ضمن “أجيال”، ولكن الذي لا نشك فيه أنّ فكرة (التجييل) لها الفضل في أنّها أوجدت (حركة أدبية مميزة في العراق) انشطرت على شطرين هما: شطرٌ نقدي، وشطر ٌشعري، وكلاهما متلازمان حيث يوصل أحدهما إلى الآخر، فالضجة النقدية تترك آثارها على المنجز الشعري، والمغامرات الشعرية أو الجديدة تحفّز النقد وتستنفر النقاد. إنّ مسوّغاً إيجابياً يدفع بالنقاد إلى ظاهرة التجييل؛ من أجل الاحتكام لمعاينة تبدلات الشعرية، وتلونها، وحساسيتها الممكنة من النصوص، ويمكن الإلمام بدقة بالمشهد الشعري العراقي حين تتم تجزئته؛ ذلك لضخامة النتاج الأدبي الذي يستدعي اللجوء إلى تجييل الكتابة الشعرية في العراق لمتابعة ستراتيجية التبدلات الحاصلة في الثقافة، والمرجعيات وتراكمات الكد النصي، مع إبقاء الباب مفتوحا للتداخلات الصوتية لنتاجات المبدعين، وهذا ما يعدّه أغلب النقاد أنّه جوهر التجييل، استهجن كثير من النقاد المسعى النقدي الذي يصنّف المسيرة الشعرية إلى أجيال عقدية، ورآه بعضهم مفتقرًا إلى الدقة، وإلى المسوّغ الموضوعي والفني، على حدّ سواء، فهو لا ينطلق من واقع البنية الموضوعية، والفنية للنصوص الإبداعية، وهو ــــ من ثَمَّ ـــ مسعى لا يعدو كونه إيثارًا لحالة الدعة، وسحبًا للخطاب النقدي إلى حالة من الاستسهال، حالت من دون امتلاك هذا الخطاب آلية للكشف، ومنظورًا للاستبصار؛ ذلك أنّ اللجوء إلى اعتماد العقد الزمني للقول بوجود (أجيال).وإذا ما خلص الطرح النقدي السابق إلى استهجان فكرة التعويل على المدلول الزمني في مقاربة الظواهر الإبداعية، واستجلاء ملامحها، وتحديد اتجاهاتها، فإنّه ـــ بعد ذلك ـــ طرح إجراءً ناجعًا مفاده أن يسوّر منجزهم العام بأسيجة وهمية تُفقّس كل عشر سنوات جيلا شعريًا مختلفًا نوعيًا، وهذا أمر سيقود بالضرورة إلى إحساس كل جيل منها بالتميّز، والتعويل على الدلالة الإبداعية في اشتقاق هذا المصطلح، وإطلاقه على ظواهرنا الإبداعية، والحق، فإن الكشف المنهجي عن ملامح التجارب الشعرية ينبغي له أنْ ينطلق من واقع المعطيات الفنية وحتى تكون قناعتنا خارجة من رحم الواقع النقدي العراقي، لذا ينطلق تأكيدنا على التجييل الإبداعي في رسم مسار الجيل.

* بِمَ يتميّز الجيل الشعري التسعيني في العراق؟

– سجّل بعض شعراء الجيل التسعيني نصوصًا شهد لها النقد بالتميّز والجدة، فانبرى بعض الشعراء من جيل لاحق يقول في حقها كلمةً نقديةً مؤيدةً أو رافضةً، وليسجّل بدوره تجربته الخاصة التي يقول عنها- على سبيل الزعم والادعاء، أو على سبيل الحقيقة- إنّها جديدة ومنقطعة عن تجارب الأسلاف. ولا نزعم أنّ تلك التجارب جديدة كلها، أو أنّها تقليدية كلها، ولا ندّعي أنّها كلها تنتمي إلى الإبداع الأصيل، أو أنّها متجردة من الإبداع، لكنّ الذي لا نشكُ فيه أن  تجربة الجيل التسعيني أرسلت هزات بنائية في النص الشعري، وصدّرت ذلك إلى المنظومة الثقافية، ممّا أحدث خلخلة في السياق الكتابي، لتبدأ مرحلة تأسيس لسياق جديد مختلف في رؤيته ومضمونه، وهذا بدوره ينتج ثراءً للعمل الأدبي، وكان لابدّ لتلك الهزات أنْ تجدَ لها مستقرًا في النص التسعيني، لذلك اكتسب هذا النص أهمية خاصة.

* هل يُعدّ البيان الشعري من مكملات الجيل أم من أساسياته؟

– نحن نرى أنّه لابّد لكل جيل من إطار تنظيري يتفرد به ويجد ترجمةً وتطبيقًا له في ما ينجزه من شعر، ولعل الاقتناع بمثل هذا الرأي كان وراء ظهور البيانات الشعرية المرافقة للإعلان عن ولادة الأجيال الجديدة، كما أنّ تلك البيانات الشعرية العراقية تمثل ظاهرةً ثقافيةً هي الأكثر إثارة للأسئلة؛ إذ يمكن أنْ نتلمس بعض إرهاصاتها عبر ما تؤديه من تفجرات وتولدات لبيانات شعرية، كما يمكن عدها مؤشرًا استباقيًا لولادة خطاب شعري ما، وعلى الرغم من أنّها لم تحظَ باهتمام نقدي وتاريخي كافيين في ثقافتنا العراقية المعاصرة -فيما نرى- إلاّ أنّها ضرورة معرفية وتاريخية، كما أنّها تبحث عن جوانب مهمة من حيوية الفكر الشعري في البحث عن أنساق جديدة ومغايرة تؤشر استشراف فاعلية الخصائص الأسلوبية والجمالية والفكرية لجيل يبشّر بوجوده . وتأسيساً على ذلك، فإنّ ملامح البيان الشعري وسماته وخصائصه المهنية والفنية بدأت مع المغايرة الشعرية إنّ هذه البيانات تعكس الحياة الثقافية وفاعلية الشعر في اجتراح مناطق جذب وجدل وإثارة وأنّها حالة صحية، تعكس ما كان يعيش فيه الجيل التسعيني من وضع ثقافي وصحي.

*كيف ترى النص الشعري لشعراء الجيل التسعيني، وبمَ تميّزَ؟

 – لقد استطاع النص الأدبي التسعيني أنْ يحددَ ملامحَ الاختلاف من خلال التمرد على الأنماط التقليدية، وقد حققَ إضافةً جادةً للمشروع الأدبي وحضورًا نوعيًا في الإثراء والرصد، لذا وجدنا نصوصًا متميزةً ترتكز على الحركة والتغيير، وهو يكرّس أنماطًا جديدةً تستند إلى الملمح الجمالي والفني، ونظرًا لتعالق اللاواقع في الواقع أصبح العمل الأدبي تحت مؤثرات ضاغطة تدفع به للجوء إلى الفانتازيا ليُجسد فيها الأديب رؤيته لمواجهة هذا التعالق ورفد العمل الأدبي بالمزيد من الرؤى الإبداعية، لذا عمل الأديب على تطعيم كتابته بالفانتازيا لتجسيد الواقع والاستغوار فيه والإحاطة به، ولأن الفانتازيا تُعد من أهم الروافد الفكرية والفنية التي تثري عالم الأدب، وتعمل على إضفاء صياغات جمالية له.

* ما علاقة العمل الأدبي بالخيال؟

 – إنّ الأعمال الأدبية لا يمكن أن تفقد رصانتها أو أنْ تتلاشى إذا دخلت في دائرة الخيال، بل تزداد وضوحًا وتعضيدًا في العمل الأدبي الذي يدمج بين الخيال والواقع، إذ لا خيال بلا واقع ولا واقع بلا خيال في مضمار الأعمال الأدبية، فإذا ما تجلى في العمل الأدبي شكّل اضافته، من خلال إضفاء البعد التخييلي على الواقعي وتكسير قيوده عبر المزج بينهما، كما أنّ التداخل بين الحسي والخيالي وإلغاء المسافة بين الحلم والواقع؛ ذلك أن سحرية الواقع العراقي واختلاط الأوراق في مجرياته وتعاقب الحروب المتناسلة عليه، أدتْ إلى انفتاح الذاكرة الأدبية التي وسّعت حدود المساحة الأدبية، وأنتجتْ تجربةً ثريةً وعميقةً مثّلتِ المتغيرات الجديدة التي تتطلب وعيًا جديدًا لمغادرة الأشكال القديمة وبناء مشروع ذاكرة أدبية فكرية وإنسانية قائمة على الوعي.

 *برأيك هل  للفنتازيا المقدرة على تجسيد الواقع؟

– بينما تظل الفانتازيا عالمًا منفتحًا على الواقع وهي تشكّل جدلاً معه، كما تُعد إحدى المداخل المهمة إليه لأنها تتقصى الوضع الإنساني فيه، وتقدم حالات يزول فيها الاتفاق المعقول حول العالم الخارجي، فأنه لا يعتبر هروبًا من الواقع بل استغوار له، فضلا عن أنّ الفانتازيا ظاهرةٌ أدبيةٌ ، تدعو إلى الغور في أعماق التخييل ومزج الواقع باللاواقع، وبهذا سارت في عالمها عبر البعد التخييلي لإنتاج رؤيةً جديدةً توافق واقعًا ممزوجًا بالتخييل.

 * هل ثمة علاقة بين الفنتازيا والأسطورة، وما الذي تقدّمه لها؟

 – نعم بعض الرؤى الفانتازية تمَّ تقديمها عبر الاتكاء على الأسطورة في تمرير رؤيتها، واستطاعتْ أن تطرح سؤالها الفني وأن تنصرف إلى معطيات الواقع وموجهاته، إذ كثيرًا ما ينظر إلى أنّ ما ترويه إنما هو تراكم لنتائج الفكر الإنساني المبدع في مجال الأدب كما أنّ الأسطورة بؤرة دلالية رمزية في النص الأدبي، ومع طروحات الانثروبولوجيا في العصور الحديثة تطور المفهوم الأسطوري وتحوّل من كونه تمثيلاً تخييليًا لواقع متخيل إلى تمثيل تخييلي للواقع الفعلي. وتنوّعتْ وجهة النظر النقدية للأساطير من حيث أهميتها ودلالاتها، فهذا ليفي شتراوس يرى أنّ الأسطورة تفكر نفسها في عقول البشر وأنها تاريخ بلا سجلات وتراث لفظي وتكوين فوضوي ونسق مغلق، هي تاريخ أفول يرهن المستقبل بالوفاء للماضي، ويرمينا بالسؤال عما إذا كانت القصص التي ترويها الأسطورة حقائق تاريخية ثم تحولها معنا بطريقة ما. حتى أفصح البعض قائلا: لو لم تكن للأساطير أهمية في التاريخ الإنساني، ولها علاقة مباشرة مع الإنسان وحضارته، لما ظلت إلى الآن متجاوزة المكان والزمان، عابرة المسافات الشاسعة، ولولا أهميتها وتطورها في آن، لما صارت مركزًا في الإبداع، ومكرّسة في التاريخ الطويل، حتى ساهمت في البنى الفكرية والدينية للشعوب، ولأنها كوّنت ركنًا أساسيًا من النشاط الروحي والفكري استعان بها الإنسان لمقاومة ما يريد. والأسطورة على تنوعها واختلاف أشكالها، صارت مرآة للجهد البشري منذ مرحلة ما قبل التدوين، وتتماهى هذه الرؤية مع تصور رولان بارت الذي يرى وجودها في الاطارين الاجتماعي والسياسي وأنها تشكّل (نسقًا ايديولوجيا) أو ثقافيًا يتمظهر في أنماط السلوك والتفكير والحياة. لقد أسهمت تلك الفانتازيا على تحريك الواقع الأدبي من خلال شحن مفاصله وتحريك الأحداث لمزيد من الديمومة والحيوية، من أجل إبقاء هذا العالم الأدبي حيًّا من خلال دعوته إلى الغور في أعماق التخييل ومزج الواقع باللاواقع، وسارت في عالمها عبر البعد التخييلي لإنتاج رؤيةً جديدةً توافق واقعًا ممزوجًا بالتخييل.

*هل تؤمن بأن يكون (المتلقي) محور العملية الأدبية؟ وما قولك عن (القارئ الضمني)؟

– من بين تلك التطورات التي شهدتها الساحة الثقافية هي الدعوة إلى تعدد المناهج في دراسة النص الأدبي، وكان منها نشوء نظرية القراءة التي أعادت الاهتمام إلى القارئ وأكملت خط العمل الإبداعي من النص إليه، تلك النظرية التي تنتمي إلى اتجاهات ما بعد البنيوية، فهي من عززت من مكانة القارئ بعد ما ألغت سلطة النص، ووجهت الدعوة إلى القارئ ليقوم بملء الفجوات حتى يتم التفاعل مع النص؛ ذلك أن القارئ الحقيقي هو من تستجيب ثيمات النص لندائه ويتشكل أفقه وتتحقق هويته عبر تمثلاته للقيم الفكرية الراسخة في مسار التجربة الإبداعية، فتتأكد قدرته الإجرائية بما يحاول من استجلاء للكينونة الدلالية التي تدعم النص بحيوية متفجرة من الفاعلية الشعرية. ولا يخفى أنّ نظرية التلقي قد ظهرت في ألمانيا بعد أنْ أخذت مدرسة (كونستانس) تقديم مشروعها للقراء على يد كل من (هانس روبير ياوس) و (فولنفانغ ايزر)، ومنظور هذه النظرية يكشف عن إظهار علاقة النص وتحليل العلاقة المتبادلة بين الكاتب والقارئ، إذ يُعد النص بنية ثابتة وحروفًا ميتة من دون قراءة؛ لأن القارئ هو المقصود في أية كتابة، وأنه أصبح عنصرًا فاعلاً في النص فهو من يصنع دلالته من جديد بوصفه ركنًا أساسيًا في العملية الأدبية، وليس له أن يكون خارج اهتمام الأعمال النقدية الأدبية، ولذا فإنّ ما أحدثته نظرية التلقي كانت نقلة في مستوى العلاقات، إذ واصلت خطًا يمتد من المبدع إلى المتلقي عبر الرسالة الأدبية، وحققت مستويات حضورها عندما تجاوبت تجربة المتلقي مع متطلبات العمل الأدبي الذي أصبح زاخرًا بالرؤى الفنية، وهو يكشف عن مضامينه الإبداعية الموزعة في ثنايا نصوصه. لقد أراد ياوس لنظريته التي سمّاها (جماليات التلقي)، أن تكون طريقًا ثالثًا وسطًا بين الجمالية الماركسية والشكلانية، فإذا كانت الأولى ترى في الأدب انعكاسًا للواقع الاجتماعي، فإنّ الثانية تعد الأدب منظومات مغلقة، فجاء ياوس بنظريته لتواجه الأدب بوصفه نشاطًا تواصليًا، ولم تعد تنظر للمتلقي على أنّه مستهلك ثابت يتسلم موجات قادمة فقط، بل تعدت في نظرتها على كونه مشاركًا فاعلاً في تحقيق حياة المقروء واستمراريته وديمومته، عبر تحقيق معادلة موجبة بين البث والتلقي من خلال طرح أسئلة دائمة إلى منطقة القارئ، ومحاكمته على أساس قدرته على الفهم والإضافة والإنجاز، بهذه الرؤية الجديدة أخذت تعيد النظر في طرق دراسة تاريخ الأدب؛ ذلك أنّ الأدب ينبغي أن يدرس بوصفه عملية جدل بين الإنتاج والتلقي، وإنّ المعنى مشروط بالقراءة، ولكي يصف أيزر التفاعل بين النص والقارئ، قدّم مفهوم “القارئ الضمني” ضمن كتاب يحمل هذا الاسم، وعرفه بقوله: إن المصطلح يدمج كلاً من عملية تشييد النص للمعنى المحتمل، وتحقيق هذا المعنى المحتمل من خلال عملية القراءة، وأنّ جذور القارئ الضمني مغروسة بصورة راسخة في بنية النص، أي أنّه بنية نصية، تتطلع إلى حضور متلق ما”، هذا يعني أن النص لابدّ أن يضبط مسيرة القارئ إلى حد ما، وقد حدد (أيزر) وجود هذا القارئ داخل النص الأدبي فجذوره مزروعة بثبات في بنائية النص وهذا يسمح له بالتحرك ما بين النص والقارئ.

* رأيكم، هل بقي الإعلام حبيس الخبر بصياغاته الخطابية القديمة أم انطلق الى آفاق الإبداع المتجلي بصياغات متجددة بعيدة عن روتينية التدوين؟

 – بعض الإعلام  لم يغادر النمطية في توثيق الأحداث ونقلها كما ينبغي على وفق أساليب الإعلام المتطور، كذلك لم يطوّر أدواته بل بقي حبيس الأخبار التقليدية وربما من يسير به لا يمتلك المؤهلات التي تبرز هويته كإعلامي مهني له أن يميز بين الخبر والتقرير وأن يبحث عن اللحظة الدالة عليهما، أمّا البعض الآخر فقد تجاوز قليلاً ببعض خطواته لكنّ مازالت خطواته تحبو نحو تشخيص الخبر والتعبير عنه معززا ذلك بالصورة وموثقًا خبره بالأدلة.

  والإعلامي الناجح هو من ينتمي لذاته ووطنه وثقافة عصره كي يستطيع أن يقدّم زادًا ثقافيًا، أمّا إذا انحسر في اتجاه منطلق محدد أو ايديولوجيا معرفية واحدة أو فكرية كانت أم سياسية فإنّه لن يؤدي الدور كما ينبغي له، وفي قبالة ذلك فإنّنا لم ننكر أنَّ بعض الإعلام قد تخلّص من (التابوات) و(سلطة الرقيب) وهذا مؤشر إيجابي يدفع به لأن يخطو خطوات جديدة؛ ذلك أن الثقافة تنمو وتزدهر في ظل الحرية وتوفر الأمن شريطة أن تلتصق بوعي المجتمع،  بل أن عافية المشهد الثقافي تدعو إلى التوغل في فضاءات جديدة، وأن الثقافة  تتطلب وعيّا مختلفًا.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق