آراء وكتاب

الصراع بين أمريكا وإيران.. من المستفيد؟!!

بقلم: حاتم عبد القادر

ساهمت التحركات الأخيرة من الولايات المتحدة الأمريكية بنشرها ألف جندي في منطقة الشرق الأوسط وكتيبة صواريخ باتريود وأسلحة ردع ومعدات حربية في تصاعد حالة التوتر بينها وبين إيران، ما ساعد في إصدار تهديدات وتصريحات متبادلة لم تتوقف بين الجانبين.. كل ذلك والمجتمع الدولي مترقبا لضربة عسكرية موجهة من أمريكا إلى غريمتها إيران. وعلى وجه الخصوص تترقب الدول العربية المجاورة والواقعة في النطاق الحدودي والإقليمي لمسرح العمليات بقلق شديد مجريات الأمور بين أمريكا وإيران؛ خشية أن تطالها نصيبا من هذا الصراع في حال نشوب معارك عسكرية. ويذكرنا المشهد هنا هذه المرة بأزمة الخليج الأولى حين اعتدى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على الكويت وقام باحتلالها في أسوأ قرار عربي كان كرة الخيط حتى وصل العالم العربي إلى ما وصل إليه الآن. وما كان من تداعيات غزو العراق للكويت إلا تدخل أمريكا وإنشاء قواعد عسكرية في منطقة الخليج بحجة الدفاع عن الكويت وبقية دول الخليج المهددة من العراق، وقتذاك، وبدأت حرب تحرير الكويت والتي شاركت فيها مصر دفاعا عن الكويت وأمن الخليج، في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتصدرت القوات المصرية المشهد في معارك حفر الباطن واستشهد عددا من جنودنا حتى تم تحرير الكويت، وخسر صدام حسين المعركة، وفتح بابا واسعا في التواجد الأمريكي في المنطقة مازال موجودا حتى اليوم. ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، ولم تترك أمريكا العراق، طمعا في ثروته النفطية، وتمكنت من خلق قصة أخرى في أعقاب التفجيرات الشهيرة لبرجي التجارة العالمي بنيويورك في 11 سبتمبر 2001، والتي من خلالها تذرعت أمريكا بأن العراق وأفغانستان متورطتان في هذا الحادث الإرهابي الذي هز العالم لسنوات، وزادت من اختلاق قصة أخرى هي امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لتبدأ معركة جديدة من الحرب مع العراق في 20 مارس لعام 2001 واحتلت أمريكا العراق وأسقطت نظام صدام حسين في مشهد يعجز أعظم مخرجي السينما العالمية عن تصويره، وفككت الجيش العراقي والذي كان يمثل مع الجيشين المصري والسوري منظومة الدفاع الكبرى عن الأمة العربية. واليوم، ومع تزايد التوتر بين أمريكا وإيران تتذكر الشعوب، متخوفة، من تكرار سيناريو الأحداث في المنطقة مع اختلاف الأطراف، فمسرح العمليات واحد، والشرارة ستطال الجميع. وليس بالضرورة أن يكون الضرر عسكريا على دول الجوار والإقليم، فتداعيات الحرب لها صور أخرى، أهمها الضرر الاقتصادي، حيث تدور المعارك في أهم منطقة حيوية للمرات المائية التي يمر من خلالها ثلث احتياجات العالم النفطية وهو مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران، ولا شك أن حربا كتلك ستنعكس بشكل مباشر على أسعار النفط عالميا نظرا لحالة الاضطراب التي ستصاحب عمليات الإنتاج ويضطرب معها بالطبع السعر. ويبقى السؤال الشعبي والاستراتيجي معا، من المستفيد من هذه الحرب حال وقوعها؟! إن الشعوب من حقها أن تسأل وتعرف الإجابة مباشرة لأنها من تدفع ثمن قرارات حكامها. فإذا كانت أمريكا متخوفة من طموحات إيران بشأن برنامجها النووي والوصول إلى مرحلة تخصيب اليورانيوم وصولا لإنتاج القنبلة النووية، وإذا كان الإخوة في منطقة الخليج متخوفون من الطموح الإيراني المتمثل في مشروعه التوسعي وعودة الإمبراطورية الفارسية مرة أخرى وبسط نفوذه من خلال التمدد الشيعي والسيطرة على بعض الدول العربية من خلال جماعات وتنظيمات مسلحة، فيمكننا القول أن كل تخوف مشروع، ولكن تقتضي الحكمة والعقل النظر للأمور واتخاذ القرار وفق معطيات استراتيجية تصب في صالح الجميع. فغير خافٍ أن دولا شقيقة لها ارتباطات وثيقة بإيران، ونحن في مصر ودول الخليج ليس لنا مع إيران علاقات سياسية (باستثناء سلطنة عمان) منذ ثورة آية الله الخميني في عام 1979 حتى الآن، وفي نفس علاقاتنا مع تلك الدول المرتبطة مع إيران جيدة وطبيعية، بل يجب أن نحترم سيادة كل دولة وتقدير مصالحها وما تقدره من مصالح وعلاقات مع الدول التي تراها. وهنا أود الإشارة إلى أنه في حال نشوب حرب بين أمريكا وإيران فمن الطبيعي جدا أن تكون كل من سوريا والعراق ولبنان في مرمى نيران المعركة مع دول الخليج الأخرى (كل حسب الدور والطبيعة)، وهنا يبقى السؤال حائرا، من المستفيد؟!! أمريكا التي تبعد آلاف الأميال عن إيران وتتمركز قواتها في منطقة الخليج لضرب إيران بحجة حماية “الخليج” من النفوذ الإيراني ولإيقاف نشاطه التوسعي لامتلاكه قنبلة نووية، إنما تأتي لتحصيل الفاتورة من الخليج الثري بثرواته النفطية، وفي نفس الوقت لن يتمكن من هزيمة إيران (الدولة العنيدة). إذن، ستخرج كل من أمريكا وإيران منتصرتان، ونبقى نحن دول المنطقة من ندفع الثمن (أرواحا وأموالا). من يتابع نغمة التهديدات والتصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران يدرك أن العقل الإيراني لا يمكن أن يصدر قرارا من أرض رخوة، فهو يقف على أرض صلبة، وفي كل تصريح أو تهديد يرد الصاع صاعين للأمريكان في ترجمة لقوة يجب أن تعمل لها أمريكا “ألف حساب”، ولعل تمثلت الترجمة الأقوى (وفي رد فعل عابر) في إسقاط إيران طائرة التجسس الأمريكية (المسيرة) التي اخترقت المجال الجوي الإيراني فوق مضيق هرمز، الأمر الذي نفته أمريكا في البداية لتؤكده وزارة الدفاع في اليوم التالي.. واستهزاء بأمريكا نشر التليفزيون الإيراني مشاهد لحطام الطائرة الأمريكية.

وزيادة على ذلك ومع جهود مبذولة من جانب الأوروبيين لتهدئة طهران، أعلنت الأخيرة أنها لن تلتزم بالبند الخاص بتخصيب اليورانيوم في الاتفاق النووي الشهير الذي أبرمته إيران مع الدول العظمى آواخر يونيو من عام 2015، معلنة أنها ستضطر إلى زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، وذلك مقابل تهديدات واشنطن المتزايدة وإعلانها الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018. إن الجهود الأخيرة التي قامت بها فرنسا ومعها ألمانيا ودول أوروبية أخرى، حيث أرسل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستشاره إيمانويل بون إلى طهران، لإجراء مشاورات مع مسؤولين على أعلى مستوى، إلا أن الرئاسة الفرنسية لم تكشف عن هوية المسؤولين الإيرانيين. ونخشى على إثر ذلك عودة النغمة القديمة بين أمريكا وطهران، لتنعت أمريكا إيران بـ”محور الشر” وتنعت إيران أمريكا بـ”الشيطان الأكبر” في مسلسل لا ندري نهايته، ولا خاسر منه سوى الطرف العربي الذي سيتحمل كافة الفواتير.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى