آراء وكتاب

“الجن “.. عن الفضيحة والفضيلة

بقلم : وليد حسني –  لا ارى في مسلسل”جن” غير فضيحة أتعبتنا ونحن نطاردها بالشتم والقدح والذم، والتطهر المبالغ فيه، وربما التوضؤ كلما مر ذكر هذا المسلسل الذي لا يساوي في معايير النقد الفني أية قيمة فنية، إلا أنه أصابنا بثورة الحياء والخجل، والخوف على النشء، ومداراة غرائزنا وكبحها خوف ثورتها وخروجها عن سيطرتنا. ألهذه الدرجة وصل الأمر بنا، ونحن نرى في كل دقيقة على الفضائيات أفلاما ومسلسلات تخدش الحياء العام أكثر مما فعله”الجن” بالإنس، وأحيلكم فقط الى مسلسل رمضان”وطن على وتر “، واتساءل كيف أثار”الجن” كل هذه الثورة في نفوسنا، ولم يثرها “وطن على وتر” وفيه من الخروج على الأداب العامة والأخلاق الحميدة لمجتمعنا الطاهر ما يندى له الجبين. لست مع مسلسل “الجن” بالمطلق سيناريو واداء ومشاهد وحوار بذيء يستند للغة الشارع ويستعيرها ويوظفها في سياق درامي ساذج، لكنني بالمقابل لا أعتقد أننا بحاجة لكل هذه الطهارة الجسدانية والروحية، ونحن ننفي عن مجتمعنا وجود مثل هذه اللغة البشعة، والتوصيفات الفاضحة في عمل فني خاصة وأننا لم نتعود على مثل هذه الأعمال الفنية التي تواجهنا مباشرة، ولربما هذا هو السبب الذي أثار كل هذه الضجة. لا يخلو اي عمل فني من مشاهد فاضحة، او ايحاءات جنسية تلميحا وتصريحا، وحركات جسد، وعري، وجنسانية مكتملة الأركان، ولم نسمع احدا انتفض ضد هذا، ولا أريد الإحالة هنا الى المسلسلات التركية التي حققت نسبة مشاهدة عالية جدا في الأردن وفي عالمنا العربي وهي التي تستند في الأساس على شرعنة الخيانات الزوجية والعلاقات المحرمة، وتعكس بالضرورة قيم واخلاقيات المجتمع التركي، والمشكلة أننا تقبلناها وتابعناها بكل شغف وكأن الأمر طبيعي جدا. يبدو أنني هنا بحاجة للتوضيح أكثر، ان مسلسل “جن” عمل فني هابط بكل المقاييس، والحكم عليه من هذه المعطيات يتشارك فيها المشاهد العادي والناقد الفني المتمرس ــ انا لست منهم بالتأكيد ــ، لكن ان تثار كل هذه الضجة على بعض المشاهد والكلمات الفاضحة المحكية في شارعنا، والذهاب بعيدا في تحميله إسقاطات سياسية، ثم النفي المطلق أن يكون مجتمعنا الأردني يخلو من مثل هذه التصرفات والكلمات فهو أمر لا تقبله الوقائع ولا تصدقه الحقائق والمعطيات، ومن هنا يبدو تماما ان المشكلة تحولت من رفض وانتقاد الفضائحية المباشرة في عمل يتحدث عن الأردن وعن البتراء، الى إنكار ورفض ان يكون في مجتمعنا مثل تلك الظواهر والسلوكيات، مما يبقي حالة التطهر التي أصبنا بها أمرا مشكوكا تماما في مصداقيته. لنفترض جدلا ان فنانين أردنيين أرادوا تحويل رواية أردنية الى فيلم او مسلسل تلفزيوني ويستدعي السياق الدرامي والبناء الروائي وجود خيانات زوجية، ومشاهد كالتي تم عرضها في مسلسل “الهيبة” او اي فيلم سينمائي مصري او مسلسل تركي، هل ستقوم قيامتنا منكرين وجود مثل هذه المظاهر في مجتمعنا. إن مسلس” جن” كان فضيحة بمقياس طهارتنا نحن، وكان التمرد الشعبي عليه بعض من مظاهر قضائلنا، والمهم في كل تلك الثورة الأخراقية أن لا ننكر أننا مجتمع فيه ما فيه، والأهم أن لا نتحدث عن إثارة الغرائز، والتأثير على النشأ، فقد منعت دائرة المطبوعات والنشر ــ بسببي ــ تداول كتاب الجاحظ “مفاخرة الجواري والغلمان ” مبررة ذلك بأنه يثير الغرائز ويؤثر سلبا على النشأ، وتلك حكاية تستدعي الضحك حتى البكاء

تابعنا على نبض
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق