آراء وكتاب

المداومة على الأعمال الصالحة بعد رمضان

هذا هو الإسلام

الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين/رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

استدار الزمان وانقضى رمضان ، وفرح الصائمون بجوائز الرحمن ، فرحوا بفطرهم بعد تمام صومهم ، وسيفرحون بلقاء ربهم ، بعد أن جعلوا أيامهم كلها عامرة بالطاعة ، وقضوا أعمارهم في العبادة الشاملة لكل خير وكل عمل صالح .

وإن انقضى رمضان شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار ، شهر العبادة والصيام والقيام ، فإن الله سبحانه يفتح لنا مواسم جديدة للخير والطاعة والعمل الصالح ، فلنستمر في عبادة الله تعالى وطاعته بالأعمال الصالحة في كل الأيام بعد رمضان ، فالسعادة الحقيقية للمؤمن تكمن في مواصلته عبادة الله تعالى وطاعته ، وفي مواظبته على الأعمال الصالحة في رمضان وفي غيره ، فمن يعبد رمضان فإن رمضان أيام معدودة قد انقضت ، ومن كان يعبد الله فإنه رب الشهور كلها ، وينبغي أن يُعْبَدَ فيها كلها ؛ فعبادته واجبة لا تنتهي إلا بانتهاء الحياة ، وموصول بعضها ببعض ، قال تعالى { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } الحجر 99 ، فالتوقف عن الصالحات بعد رمضان نقض للعهد مع الله وعمل مبتور لا أصل له ، ومن عرف الله خافه في كل وقت ؛ وإلا كان رمضان سجناً ما يلبث المرء أن يخرج منه فرحاً إلى المعاصي ، ولنعلم أن من علامة قبول العبادة عند الله أن توصل بعبادة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، فهذا دليل على أن للصيام أثراً في حياة الصائم ، والمؤمن ينبغي له أن يجتهد في مواصلة الحسنات والأعمال الصالحات حتى تكون سجية له ، فلنواصل العبادات بعد رمضان في أزمانها وأماكنها :

1- فعبادة الصوم في رمضان موصولة بصيام ستة أيام من شهر شوال ، قال صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر } رواه مسلم ، وتفسير ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيام السنة } رواه أحمد ، ومرجع ذلك إلى أن الحسنة بعشر أمثالها ، ويستحب صومها لكل مسلم , سواء اعتاد صيامها أم لا ، وصام رمضان أم لا , كمن أفطر لمرض أو غيره .

وهي موصولة أيضاً بقضاء رمضان ، فمن أفطر أياماً منه قضى عدتها , وإن فاته صوم رمضان كله قضاه جميعاً , لقوله تعالى { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } البقرة 184 .

ويرى معظم العلماء أن قضاء رمضان لا يجب على الفور ، فقوله تعالى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مطلق في قضاء الصوم وليس فيه تعيين تفريق القضاء أو تتابعه ، وليس فيه أمر بالقضاء على الفور أو على التراخي ، فلا وجه للإلزام بأيٍّ من ذلك ، لكنهم قيدوه بما إذا لم يفت وقت قضائه بدخول رمضان القادم , لقول عائشة رضي الله عنها { كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان } رواه البخاري ، وكان ذلك منها لأنها دائمة الانشغال بشؤون الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن لم يقض ما عليه حتى فات وقت القضاء من غير عذر فهو آثم ، وكل ذلك يعني أن وقت القضاء موسع يستمر أحد عشر شهراً .

إلاَّ أنني أرى أن تأخير أيام القضاء هو خلافٌ للأولى ، فمن المستحب المسارعة إلى إسقاط الواجب ، لذا أميل إلى أفضلية القضاء عقب العيد مبادرة إلى العبادة , لما في التأخير من سلبيات . فالأصل المبادرة إلى قضاء الفوائت من صوم وصلاة , ومن أخر قضاء رمضان لعذر فانقضى أجله فلا شيء عليه ، أما إن أخره لغير عذر فإنه يأثم بذلك .

وعلى ذلك فالقضاء في رأيي أولى من صوم الستة من شوال , لأن في الشهر متسع لأدائها ، ثم إن فقهاء الحنفية يحرمون على المسلم أن يتطوع بالصوم قبل قضاء ما عليه من رمضان , بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه .

2- والتعبد في رمضان بمناجاة الله تعالى وتلاوة كتابه يوصل بعد رمضان بالاستمرار في تلاوة آياته آناء الليل وأطراف النهار ، فقراءته في الصلاة ركن تبطل بدونه قال تعالى { أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } الإسراء 78 ، وقراءته في غير الصلاة من العبادات المندوبة المقربة من الله عز وجلّ ، قال صلى الله عليه وسلم { اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه } رواه مسلم . فلنحرص على قراءة ما تيسر من القرآن الكريم فإن هذه العبادة تمنح المسلم رصيداً متزايداً من الثواب ، ومعيناً لا ينضب من الحسنات ، فإن قراءة الحرف الواحد بعشر حسنات ، قال صلى الله عليه وسلم { من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة , والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف } رواه الترمذي .

3- وإذا كان شهر رمضان يختص بعبادة القيام وهي صلاة التراويح ، فإن قيام الليل في غيره عبادة لا تنقطع ، قال صلى الله عليه وسلم { عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وإن قيام الليل قربة إلى الله ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد } رواه الترمذي . فقيام الليل يربي إرادة المؤمن على تحمل المسؤوليات العظام ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم هيأه ربه بقيام الليل لحمل أعباء الرسالة ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } المزمل 1-5.

4- وصلة الأرحام لا تختص برمضان وحده ، بل هي مقارنة للعمر كله ، ورغم أن ابتداء صلة الرحم بفعل المعروف مع الأقارب يعتبر سنة إلا أن قطعه عنهم بعد حصوله يعد ذنباً كبيراً ، وتكون القطيعة بهجرانهم أو بالإساءة إليهم أو تعدي ذلك إلى ترك الإحسان ؛ فإذا قطع المكلف ما اعتاده قريبه من الصلة والرعاية لغير عذر شرعي يصدق عليه أنه قطع رحمه { فإن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى يا رب قال فهو لك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } محمد 22 } رواه البخاري .

وقد توعد الله تعالى قاطع الرحم ، فقال صلى الله عليه وسلم { لا يدخل الجنة قاطع } أي قاطع رحم رواه البخاري ، فلنحرص على صلة الأرحام فإنها تعمق المودة والمحبة في النفوس ، وهي من العلاقات الواجبة في المجتمع الإسلامي ؛ ومما يميزه عن غيره من المجتمعات سواء في الماضي والحاضر ؛ لذا فقطعها حرام ومخالف للنصوص الشرعية .

واستكمالاً لمعاني الصلة فحق الأقارب والأصدقاء والجيران وأسر الشهداء والأسرى والجرحى أن نزورهم ونتفقدهم ، وألاَّ ننسى الأرامل والثكالى واليتامى والمساكين ، قال صلى الله عليه وسلم { الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار } رواه البخاري ، وإن كان هؤلاء أحوج ما يكونون إلى ذلك في رمضان وفي أيام العيد ، فإنهم ينتظرون هذه الصلة أيضاً بقية العام .

5- والصدقة دليل على صحة إيمان العبد وبرهان على صدقه وقوة يقينه وحسن ظنه بربه ، وهي من أحب الطاعات إلى الله ، قال صلى الله عليه وسلم { إن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مؤمن ، تكشف عنه كرباً أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً } رواه البيهقي وحسنه الألباني ، والصدقة سبب في غفران الذنوب والخطايا ومحو السيئات ، قال صلى الله عليه وسلم { الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار } رواه الترمذي ، فبذل المال لمن يستحقه إن ارتبط بنية التقرب إلى الله تعالى فهو صدقة مندوبة ؛ لأن فيها نفعاً للفقير وعوناً للضعيف وإغاثة للملهوف ؛ ومساعدة للعاجز وتقوية له على أداء فرائض الله تعالى بتأمين حاجاته وحفظ حياته .

6- وعبادة الاعتكاف موصولة بارتياد المساجد ، فإن المكث فيها بنية العبادة هو اعتكاف وعمل صالح ، فمن تعلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه استحق ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ، قال صلى الله عليه وسلم { سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل … ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه } رواه مسلم ، وفي الحديث إشارة إلى شدة تعلق قلبه المؤمن بالمسجد وحبه الجلوس فيه ، والتردد إليه في جميع أوقات الصلاة بحيث لا يصلي صلاة إلا في المسجد ، ولا يخرج منه إلا وهو ينتظر صلاة أخرى ليعود فيصليها فيه ، فهو ملازم للمسجد بقلبه لا بجسده فقط ، وما ذاك إلا لمنزلة المسجد في هذا الدين العظيم ، قال تعالى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا َتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ } النور 36-37 ، وعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن { انتظار الصلاة بعد الصلاة هو الرباط } رواه مسلم ، فالجالس في المسجد ينتظر الصلاة كالقائم على الثغور في المناطق التي يقاتل فيها المسلمون .

ومن خير المساجد التي ينبغي أن نكثر التردد إليها في هذا الوقت العصيب المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس ، والحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فعلينا أن نداوم على ارتيادهما ونواظب على الصلاة فيهما ، فهما يتعرضان لمخاطر التهويد ، قال صلى الله عليه وسلم { لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد ، مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي } رواه البخاري .

وأدعو الله جل وعلا للمرة الثانية : تقبل الله منكم ومنا الصيام والقيام وسائر الطاعات ؛ وأعاده عليكم وعلينا وعلى الأمة بالعزة والنصر والتمكين وقد تحرر مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأدعوه سبحانه وتعالى أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان وأن يردهم إلى الجادّة ، وأن تتحقق آمالهم في الوحدة والأخوة والرفعة .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى