مدونة الأردن

من صُنّاع الكرامة.. “اللواء المُر” كاسب صفوق الجازي

بقلم د. مهند مبيضين
شاهد على الأزمنة المُرة؛ النكبة، النكسة، حاضر في قلب الأعاصير التي لفت الأردن، وأصعب الأزمنة برأيه ذاك الزمان الذي أعقب انقلاب العراق 1958 “مرت عشر أيام لا حس ولا خبر بالبلد”..
الزمن المر الآخر هو اغتيال هزاع المجالي العام 1960، لكنه ظل مؤمنا أن الدولة هي أثمن ما يدافع عنه، وأنها ستبقى وستمضي قدما برغم كل ما صار وجرىلا يدعي بطولة، وحدّ الزهد بالغ الأثر عليه، حين تسأله عن دوره، فإنه ينسى نفسه، ويتذكر زملاء الخندق والمدفعية والرشاش وأسوار القدس، يتحدث بسجية ومنطق البدوي الحر، ولا يخشى الصراحة التي لا تحيله إلى تردد أو ريبةبدوي معتق، والبادية في ذاكرته بعد، يصر أن يزورها نهاية كل أسبوع “أذهب للجربا والأشعري وأذرح باستمرار.. هلي وربعي هناك..”.
وما بين حب الربع والأهل والعاصمة تنسج الذاكرة خيوطها التي تعود به إلى زمن صعب كانت حالة الناس تستحيل بقاء وتستوجب الرحلة مرتين كل عام “الحالة كانت صعبة، ما فيها شيء، في الشتاء يرحلون إلى الطبيق ووادي السرحان مع حلالهم، وفي الصيف يعودون للديرة في منطقة الشراه وغرب عنيزه..”.
اللواء الركن، كاسب صفوق دابس الجازي، ولادته كانت في العام 1928 في منطقة تسمى “غدير أبو صفاه” إلى الغرب من الجفر، لا يتذكر الغزو، لكنه يروي أن أول الوعي والعلم ارتسم على يد شيخ “جاء للديرة وعلمنا القراءة والكتابة، وكان من بلدة بصيرا في الطفيلة، ثم نقلنا إلى مدرسة الجفر وبقينا حتى الثالث الابتدائي”كان معلمه في مدرسة الجفر محمد العسلي ومعه يومها في المدرسة من أبناء قبيلته اللواء صايل حمد بن جازي وكايد الذيابات.
لقب باللواء المُر، وهو إن كان يقر باللقب، إلا أنه يستحضر تاريخه النشأة الصعبة التي كانت مُرّة أيضا، فرحلة القبيلة إلى عنيزة بعد الصف الثالث، جعلته يترك مدرسة الجفرحتى إذا ما أتمّ الثانية عشرة في العام 1940، غادر إلى المفرق “سمعت ان هناك عملاً في حفر خنادق للجيش البريطاني”.
حاول دخول الجيش في العام 1942، لكن صغر سنه حال دون ذلك، في تشرين الثاني العام 1943 قابل كلوب باشا ليجنده “قالوا له أن عندي رغبة للتجنيد وقال: أرسلوه لأحد المخافر ليتدرب، ومن ثم سألني عن والدي وقال: ابوك وين لماذا لا يزورنا؟”.
التدريب كان في مدرسة التدريب العسكري في العبدلي التي رأسها آنئذ الشريف محمد هاشم، ونتيجه لتفوق كاسب في التدريب عُيّن مدربا للمشاة الأغرار، وبقي في المدرسة لمدة عامين من ثم نقل إلى سرايا المشاة، التي لم يتجاوز عددها الثلاث كتائب وحاميتين آنذاك.
السرية الأولى التي خدم بها كان قائدها النقيب فارس العبد، انتقلت من منطقة رفح إلى القدس “كنا حرسا، وكان الانتداب موجودا، وكنا موجودين أوائل 1948، ثم جاءت أوامر للتحرك لعمان، ومن هناك تحركنا إلى الشمال وقسمت السرية لأربع فئات، اثنتين على جسر المجامع واثنتين على جسر الشيخ حسين”يذكر نسف جسر المجامع، ويروي قصص البطولة للجيش الأردني في حي الشيخ جراح وباب الواد واللطرون “كانت معنوياتنا في البداية جيدة وسيطرتنا كانت كاملة، لكن الأمور تغيرت بعد الهدنة الدولية. فاليهود تسلحوا، ولكنا لم نستسلم، قاتلنا في حي المغاربة، وحصلت هجمات كبيرة..”. يذكر كيف أن السلاح الجديد لم يكن الجنود بعد يحسنون استخدامه، وأنه أودى بحياة بعضهم.
يقدم الشيخ كاسب روايته للتاريخ، بلا مواربة او حذر، يقود أحيانا إلى ضياع التفاصيل والبتر، متدفق في ذاكرته، لكنه كلما تذكر القدس والحرب يعود لحزنه الشديد، ويقول “العرب لا هم قبلوا بقرار التقسيم 1947، ولا هم أحسنوا العدة للحرب، الله يعين الفلسطينيين..”تذكر رفاق النكبة والحرب المرة والصمود، مهاوش مذيب وعايض الجازي وساري عوض الدرواشه وفارس محمد العبد وسلطان عليق العودات الجازي، وأولاد عمه سالم عوده الجازي ومدلول راعي الحصان الجازي، وغيرهم ممن ناضل أو استشهد في أرض القدس.
اللواء المُر رأى الموت محدقا مرات ومرات “كنا نشوف الشهداء يسقطون أمامنا، لكن صمدنا” ثم يستدرك “قاتلنا بشرف،وحابس المجالي كان بطلا،ومثالا للشجاعة والملك المؤسس طلب من رئيس الحكومة الاستبسال لأجل القدس، وجيشنا الوحيد الذي احتفظ بمواقعه..”.
بعد انتهاء الهدنة شُكِّلت في الجيش العرب كتائب جديدة بدل نظام السرايا، وفي الأول من آب العام 1948 رُقّي كاسب الى رتبة رقيب،وبعد أن تم تشكيل كتيبة المشاة السابعة،التي ضمت سرية المشاة 13،وللسمعة والمكانة التي حظي بها قرر قائد الكتيبة الرائد خالد الصحن تنسيبه لدورة المرشحين الأولى.
في الأول من نيسان العام 1951 تخرج كاسب، والتحق بكتيبة الحسين الثانية”كان نصيبي أنا وزملائي الخدمة في منطقة كفار عتصيون قرب الخليل وبقينا هناك تسعة أشهر..”.
وفي العام 1955 أرسل في دورة إلى بريطانيا لتعلم اللغة الانجليزية، لكن قرار الراحل الحسين بتعريب الجيش في الأول من آذار العام 1956، عجّل بعودتهم “جاءتنا برقية تقضي بالعودة قبل اتمام الدورة، والإنجليز تغيروا علينا..”عاد للخدمة في الكتيبة الثانية في القصور الملكية، وفي العام 1958 نسب في دورة للعراق لمدة شهرين “لاحظنا ان الأمور غير طيبة، والوضع كان غير مريح بالنسبة لنا، فعدنا قبل انقلاب العام 1958”.
اشتدت الظروف السياسية على الأردن داخليا وخارجيا بعد العام 1958 “طلبوا منا الحفاظ على الأمن، وكانت مسؤوليتنا مجلس الأمة والسفارات، وكان الوضع متوترا، وهناك خشية من النظام العراقي واستمرت الأوضاع قلقلة، وانتهت باستشهاد هزاع الذي كان صدمة لنا جميعا”.
عشية النكسة، كان في لواء الحسين بن علي في العقبة، وكان برتبة مقدم وقائد كتيبة، يؤكد أن القوات بقيت جاهزة ومستعدة للقتال، ويستعيد زيارة الملك حسين للقاهرة وتعيين الفريق عبدالمنعم رياض قائدا عاما للجبهة الاردنية وتوقيع اتفاقية الدفاع العربي المشتركيشدد على أن خطة القوات الأردنية كانت موضوعه قبل مجيء رياض قائدا للجبهة الأردنية وكان اسمها “خطة الحسين”، وتقضي أنه في حال صار هناك ضغط تتجمع القوات الأردنية حول القدس، وتدافع حتى آخر جندي “وبالفعل نحن انتقلنا من مواقعنا في وادي اليتم للقدس”، وكنا نريد ضرب إيلات، يوم الاثنين الأول من حزيران، ونصحنا قائد اللواء سالم عواد النجادات بالتأني كي نستبين الموقف العسكري العام، ويوم الاربعاء حكينا مع قائد التشكيلة وعرفنا أن النكسة حلت، فعرفنا أن الأمور في غير صالحنا..”يروي هول النكسة، وتلقي الخبر “بعض الجنود لم يستطيعوا المشي على أرجلهم حزنا، وهل تريد اكبر من هيك مصيبة..”. ولما أدت النكسة إلى إعادة تنظيم الجيش، فقد شكلت فرقتين الحد الفاصل بينهما وادي الزرقاء، الأولى بقيادة مشهور الجازي، والثانية وبقيادة عاطف المجالي، حدثت تنقلات للضباط “كان نصيبي لواء الاميرة عاليه”.
أسندت إليه قيادة اللواء، وهو برتبة مقدم، وكانت الفرقة الأولى مقسمة إلى ثلاثة محاور؛ محور العارضة بقيادة قاسم المعايطة، ومحور وادي شعيب بقيادته، ومحورسويمه بقيادة بهجت المحيسن.
يسرد بدء نشاط حركة المقاومة العربية والفدائيين “كان الأمر في البداية باطلاع الجيش، وكان الجيش يساعد الفدائيين، لكن ذلك لم يعجب اسرائيل التي بدأت بعمليات ضد الأردن”.
الاستخبارات الأردنية مررت لهم توقع اجتياح اسرائيلي للحدود الأردنية للقضاء على الفدائيين “وفي 21 آذار 1968 الساعة الخامسة والنصف فجرا هجم العدو على مواقعنا وعلى ثلاثة محاور، ودارت المعركة الخالدة معركة الكرامة”يؤكد الجازي دور الفدائيين في المعركة، ويكشف أنه زار بلدة الكرامة، والتقى بزعيم فدائي اسمه صلاح التعمري”اتفقت معه وهو رجل شجاع وطيب،لكن المعركة النهائية حسمها الجيش، وكانت معركة دروع، وكثير من الفدائيين استشهدوا وقاتلوا ببسالة وبعضهم خرج للجبال، وآخرون استشهدوا في مسجد الكرامة”.
عن دوره في الكرامة، التي يرى انها استعادت الثقة بالجيش، يقول “انا كنت في قيادة لواء الاميرة عالية، ودوري في وادي شعيب، وبلدة الكرامة كانت من مسؤولياتي، توقعنا الهجوم وتقابلنا مع العدو، وكبّدناه خسائر وسحبنا بعض الآليات التي تركها إلى عمان”بعد الكرامة نقل إلى لواء الحرس الملكي الأول، وصار قائدا للفرقة الثالثة الملكية، وهو برتبة عقيد وتفرد كاسب عن غيره من زملائه بالمسؤولية بأنه حمل أربعة أعلام هي: لواء الحرس الملكي الأول، ولواء الأميرة عالية، والفرقة الثالثة الملكية، وعهد إليه بتشكيل الفرقة الرابعة الملكيةفي العام 1970، وفي أحداث ايلول كان الحاكم العسكري لعمان. فيما كان رئيس الحكومة العسكرية محمد داود.
الجازي شاهد على وجود مطبخين سياسيين في الاردن بعد استشهاد هزاع المجالي “وصفي التل واحمد الطروانة، كانا متفقين ومن أقرب الناس إلى الملك حسين، وأحيانا كثيرة كنا لا نتواصل إلا مع وصفي، والمطبخ الآخر كان يقوده بهجت التلهوني وآخرون..”عين عينا في مجلس الأعيان بعد ان تقاعد برتبة لواء العام 1977، وتعاقبت عضويته عدة مجالس تالية إبان الأعوام 2000 و2001، و2003.
راتبه العسكري الذي تقاضاه لأول مرة كان أربعة دنانير، ولما صار مرشحا عسكريا ارتفع إلى ستة عشر دينارفي ذاكرة الجيش العربي كاسب صفوق ممن غني له، وممن وصف بالأسد المزمجر، في معارك القدس، وأحد أبزر صانعي الكرامة.
في العام 1946 تزوج من السيدة منيرة الجازي، وانجبا ثمانية ابناء، هم ممدوح وعبدالعزيز ويوسف ومحمد وصفوق وزهرة وايمان وسناء. حين يسأل كيف كان يصل الأهل وهو في الخدمة في مناطق متفرقة يشير إلى أن إجازة العسكري كانت قصيرة ولأيام، وكل ستة أشهر، وأحيانا يقضي أغلبها في الطريق، وهو يبحث عن مضارب القبيلة!

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى