آراء وكتاب

هذا هو الإسلام أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بجمع وقصر الصلاة

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
الحلقة الأولى : تعتبر مسألة الجمع في الصلاة مسألة خلافية بين الفقهاء ، وينعكس ذلك على المصلين في المساجد وبالأخص في أيام الطر والبرد التي مرت بنا في الأيام القليلة الماضية ، فقد لاحظت خلافات بين الأئمة وتباين الآراء فيها ، فأردت توضيح أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بها ، فأقول :
أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَاتٍ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي مُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ لِلْحَاجِّ ، استدلالاً بفعله صلى الله عليه وسلم ذلك فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ؛ فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم { … أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا } رواه مسلم .
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ عِلَّةِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ أهِيَ السَّفَرُ أمْ النُّسُكُ ؟
* فَذَهَبَ بعض العلماء من التابعين ومن بعدهم مثل أَبي حَنِيفَةَ وبعض اِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ للنُّسُكِ أي العبادة ، لذا لم يجيزوا الجمع لاَ تَقْدِيمًا وَلاَ تَأْخِيرًا ، وَتَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنْ جَمْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ جَمْعٌ صُورِيٌّ : وَهُوَ أَنَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَقَدَّمَ الْعَصْرَ فِي أَوَّل وَقْتِهَا وَفَعَل مِثْل ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، واحتجوا بعدة أدلة ستعرض في وقتها من هذا الموضوع .
* وذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنبلية) إِلَى أَنَّ الْجَمْعَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ رُخْصَةٌ للسَّفَرِ ، وَاحْتَجُّوا بِالأْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَمْعِ فِي أَسْفَارِه صلى الله عليه وسلم .
وللجمع صورتان فقط : إما جمع تقديم كما في تقديم العصر عن وقتها ليصليها في وقت الظهر ، وتقديم العشاء ليصليها في وقت المغرب ، وتقديم العصر ليصليها مع صلاة الجمعة ، وإما جمع تأخير كما في تأخير الظهر عن وقتها ليصليها مع العصر وتأخير المغرب ليصليها مع العشاء ، ولكل منهما شروط يجب مراعاتها لصحة الجمع :
شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وهي أَرْبَعَة :
الأَوَّل : الْبُدَاءَةُ بِالأْولَى مِنَ الصَّلاَتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ ، لأِنَّ الْوَقْتَ لَهَا وَالثَّانِيَةَ تَبَعٌ لَهَا وَالتَّابِعُ لاَ يَتَقَدَّمُ عَلَى مَتْبُوعِهِ ، فَلَوْ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْل الظُّهْرِ أَوِ الْعِشَاءَ قَبْل الْمَغْرِبِ لَمْ يَصِحَّ الظُّهْرُ فِي الصُّورَةِ الأْولَى وَلاَ الْعِشَاءُ فِي الثَّانِيَةِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ كلاً منهما بَعْدَ الأْولَى إِذَا أَرَادَ الْجَمْعَ : أي يعيد العصر بعد الظهر ويعيد العشاء بعد المغرب .
الثَانِي : نِيَّةُ الْجَمْعِ ؛ وَمَحَلُّهَا الْفَاضِل أَوَّل الصَّلاَةِ الأْولَى ( الظهر والمغرب) ، وَيَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا إِلَى التسليمِ منها ، أما بعد التسليم منها فلا تصح نية الجمع .
الثَالِث : الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ بأَنْ لاَ يَفْصِل بَيْنَهُمَا زَمَنٌ طَوِيلٌ ، أَمَّا الْفَصْل الْيَسِيرُ فَلاَ يَضُرّ لأِنّهَ مِنَ الْعَسِيرِ التَّحَرُّزَ مِنْهُ ، فَإِنْ أَطَال الْفَصْل بَيْنَهُمَا بَطَل الْجَمْعُ سَوَاءٌ في ذلك الفصل بالِنَوْمٍ والسَهْوٍ والشُغْلٍ وغَيْرِها . وَالْمَرْجِعُ فِي الْفَصْل الْيَسِيرِ وَالطَّوِيل الْعُرْفُ كَباقي الأْمُورِ الَّتِي لاَ ضَابِطَ لَهَا فِي الشَّرْعِ أَوْ فِي اللُّغَةِ . وَقَدَّرَه بَعْضُ الْحَنبلية وَالشَّافِعِيَّةِ بمقدار الإْقَامَةِ أو بمقدار الْوُضُوءِ .
الرَابِع : دَوَامُ سبب الجمع (كنزول المطر مثلاً) حَال افْتِتَاحِ الأْولَى وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَافْتِتَاحِ الثَّانِيَةِ ، فَإِذَا زال السبب أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ الأْولَى أو ما بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَلَزِمَ المصلي تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا .
شُرُوطُ صِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ :
يشْتَرَطُ لِصِحَّةِ جَمْعِ التَّأْخِيرِ نِيَّةُ الْجَمْعِ قَبْل خُرُوجِ وَقْتِ الأْولَى بِزَمَنٍ لَوِ ابْتُدِئَتْ فِيهِ كَانَتْ أَدَاءً ، فَإِنْ أَخَّرَهَا بِغَيْرِ نِيَّةِ الْجَمْعِ أَثِمَ وَتَكُونُ قَضَاءً لِخُلُوِّ وَقْتِهَا عَنِ الْفِعْل أَوِ الْعَزْمِ والنية .
وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ شَرْط دَوَام سبب الجمع إِلَى تَمَامِ الصَّلاَتَيْنِ ، فَإِنْ زال قَبْل فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَصْبَحَتِ الأْولَى قَضَاءً .
أَمَّا الْحَنبلية فَيَشْتَرِطُونَ اسْتِمْرَارَ السَّبب إِلَى حِينِ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَلاَ يَضُرُّ عندهم زَوَال السَّبب قَبْل فِعْل الصَّلاَتَيْنِ وَبَعْدَ دُخُول وَقْتِ الثَّانِيَةِ .
ويرى جمهور الفقهاء أن لجمع الصلاة أسباباً : منها ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا فيه ، وهي السفر والمرض و(المطر والثلج والبرد والطين) والريح والخوف والحاجة .
أولاً : الجمع للسَّفَرِ الطويل
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنبلية إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِسَبَبِ السَّفَرِ الطَّوِيل الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الرُّبَاعِيَّةُ سواء في ذلك جمع التقديم وجمع التأخير ، ومعلوم أن مسافة قصر الصلاة هي اليوم 83 كيلو متراً تبدأ بمفارقة العمران ، واحتجوا بما يلي :
1- حديث { كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ارْتَحَل قَبْل أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَل فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا … } رواه البخاري ، وَفِي رِوَايَةٍ أخرى له { فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْل أَنْ يَرْتَحِل صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ رَكِبَ } .
2- قال مُعَاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا } رواه مسلم .
ومن حيث المفاضلة بين جمع التقديم والتأخير في السفر فخير للمسافر الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أيسر له وأهون عليه وأقل مشقة به ، فقد كان صلى الله عليه وسلم { إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً ، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجَّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار ، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع المغرب } رواه الترمذي
هذه الأحكام تتعلق بالجمع في السفر الطويل ، أما الجمع في السفر القصير وهو الذي يقل عن 83 كيلو متراً فقد اختلف فيه الفقهاء :
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ والْحَنبلية إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، واحتجوا بما يلي :
1- أنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عن المسافر فَاخْتَصَّتْ بِالطَّوِيل كَقَصْرِ الصلاة .
2- أنَّه الجمع إِخْرَاجُ عِبَادَةٍ عَنْ وَقْتِهَا فَلَمْ يَجُزْ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ كَالْفِطْرِ للصائم فيه .
3- أنَّ دَلِيل الْجَمْعِ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْفِعْل لاَ صِيغَةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ ، فَلاَ يَثْبُتُ حُكْمُهَا إِلاَّ فِي مِثْلِهَا ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ إِلاَّ فِي سَفَرٍ طَوِيلٍ .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَرْجُوحِ عِنْدَهُمْ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ ، واستدلوا بأنَّ أَهْل مَكَّةَ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهُوَ سَفَرٌ قَصِيرٌ .
وذهب الْمَالِكِيَّةُ إلى عدم اشتراط طول مسافة السفر او قصرها لِلْجَمْعِ ، فَإِذَا نَوَى المسافر الإْقَامَةَ فِي أَثْنَاءِ إِحْدَى الصَّلاَتَيْنِ عِنْدَ التَّقْدِيمِ بَطَل الْجَمْعُ ، وَلاَ يشْتَرطُون إِقَامَةُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لِبُطْلاَنِ الْجَمْعِ .
وَأما من لا يجيزون الجمع للمسافر (وهم الحنفية وبعض التابعين وتابعيهم) فقد اسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا :
1- قال ابن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع } رواه مسلم ، وجمع هي مزدلفة .
2- قَوْلُهُ صَلَّى الله عليه وسلم { لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصَّلاَةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الأْخْرَى فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا } رواه مسلم .
3- وَاحْتَجُّوا أيضاً بِأَنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلاَةِ ثَبَتَتْ بِالتَّوَاتُرِ بينما أَحَادِيثُ الْجَمْعِ آحَادٌ ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى