اخبار منوعة

الحب .. الأمومة وأسرارهما العجيبة

الحياة – فيصل عوكل – الحب الامومة واسرارهما العجيبة والمتداخلة والمبهمة والمشاعر الخفية التى يصعب على العقل البشري الغوص فيها لان المشاعرالعظيمة ليس لها وزن بمقياس الموازين والمقاييس المعروفة لانها عطاء الهي كبير ومتفاوت ما بين البشر والبشر ليسوا متساويين في هذا العطاء الكبير.
ولست ادرى ما الذي جعل هذه البطله لقصتي هذه تخرج الى حيز ذاكرتي المتخمة بالقصص والافكار والتى حدثت قبل نصف قرن حيث كنا صغارا نلهو نكاد لانستطيع ان نبتعد عن امهاتنا مترا دون ان نبكي لحاجتنا اليها وخوفنا من مجاهيل العالم لانها كانت بالنسبة لنا عالم من الامان والحب والعطاء والسلام فقد كانت الام بالنسبه لنا كاطفال هي كل شيء.
في هذه الفتره الزمنية البعيدة السحيقة من الذاكره انهالت الصور متتابعه لهذه المراه السريعه الخطوات المتلهفه للعوده للبيت خشيه ان يعود ابنها الوحيد فلا يجدها بانتظاره ولا يجد وجبته جاهزة وفراشه الدافء بانتظاره وامه حوله تحنو عليه تتلمس كل شيء حوله وكانها خلقت له فقط بعد ان فقدت زوجها وابويها في الحرب العالمية الثانية ولم يبقى لها شيء اخر عدى ابنها.
كان هو كل شيء لها في هذا الوجود حتى اضحى شابا عرفها وجهاء البلدة وكبرائها ومخاتيرها وهي ترجوهم الرجاء الخالص من كل قلبها ودموعها وروحها ان يجدوا له عملا او وظيفة مناسبة ولم تياس ابدا كان الياس شيئا لا تعرفه لا تؤمن به اذا ماتعلق بابنها وتجد بان المستحيل قريبا ان كان يهفو ابنها له واستطاعت ان تجد له وظيفه ذات قيمه في ذلك الوقت وذاك الزمان وراتب يجعلها تسير منتصبة القامة بفخر بانها حققت المعجزة واضحى ابنها رجلا وله مكانته ويعتمد عليه.
لم تصبر كانت نساء البلده يعرفنها ونحن كاطفال كنا نعرفها ونعرف تفاصيل حياتها كلها وحبها لابنها وكانت تتحدث عن حبها لابنها بشغف لانظير له وكانت تتحدث عن حب ابنها لها وطاعته لها حتى همس في اذنها ذات يوم بانه يريد ان يكون له زوجة تخدمها وتقوم بواجبها في كبرها بعد ان وهبته كل حياتها وشبابها ولم يبقى لها شيء عداه لم يبقى بيت لم تدخله هذه الام لتشيد بابنها وادبه وجماله وهيئته وكان الجميع يعرفونه وليس به الصفات التى تراها امه بها في عيون الاخرين لكنها الام ترى ابنها في عين قلبها و بروحها وبمنظارها الخاص جدا.
وتزوج ابنها كانت الام تسير ولاول مرة في حياتها بثوب جديد منسق فرحها يطغى على العالم فها هو حلمها الاكبر تحققه لقد وجدت لابنها فتاة وزوجته وكادت ان تطيب نفسها وتثق بالقدر الذي ساعدها على المعجزات وتجاوز الزمن الذي نسيت فيه نفسها تماما من صبيه صغيرة الى امراة هدها الزمن وشاهدت البلدة كلها دموعها بعد اسبوع من زواج ابنها تغسل وجهها وبكت الام لاول مرة كما لم تبكي من قبل.
بكت بحرقة بكت بقوة صرخت ولاول مرة ومن كل اعماقها الما وسمعتها نساء البلدة وتعاطفن معها بقوة لانهن امهات ويعرفن تماما معنى الامومة وتضحيات الام وسمعناها وهي ترجو الله ان ياخذ ابنها لانه صفعها ارضاء لزوجته التى طلبت منه ان لا يبقى امه معهما في البيت وكانما السماء كانت مشرعة الابواب لصوتها.
وفي مساء ذات اليوم خطف الموت ابنها الوحيد الذي اعطته روحها وقلبها وكل شيء وسمع عويلها بجنون وكان حديث نساء البلدة كلها ما بين الالم والحزن ومقولة لا تنسى لقد كانت السماء مفتحة الابواب لدعاء الام المنكسرة التى صفعها ابنها ارضاء لزوجته ولانها لا نصير لها ولا اقارب لها خرجت رجال البلدة كلها يحملون جثمان ابنها العريس الذي طلبت منه زوجته ان يرمي امه خارج البيت وصفعها كان هذا الحدث يشكل زلزالا ادميا واجتماعيا غير معهود ابدا فطاعة الوالدين امرا مقدسا لا يقترب احدا من حدوده او تصل به الجراة ان يتحداه.
وان يتجاوزه وفي نفس اليوم الذي دفن به ابنها خرجت زوجته الى بيت اهلها وبقيت الام تتنقل باكية بين قبر ابنها وبيتها وكلما دخلت بيتها لم تجد ابنها فتفر الى المقبرة لتبكيه والنساء تبكي معها يشاطرنها ماساتها لم تصبر هذه الام اكثر من اسبوع واحد على غياب ابنها من عالمها صحت البلدة ذات صباح ماطر ليجدوا الام متكئة على شاهد القبر وقد فارقتها الحياة.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى