آراء وكتاب

هذا هو الإسلام ..مدينة القدس المباركة لن يعمر فيها ظالم ولن يدوم فيها ظلم

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
واستكمالاً للحديث عن قرارات الشرعية الدولية بخصوص مدينة القدس فسأتناول اليوم قرارات اليونسكو ، وهي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة ، ومقرها الرئيسي في باريس بفرنسا .
تأسست هذه الوكالة المتخصصة عام 1945 ، وهدفها الرئيسي الإسهام في إحلال السلام والأمن عن طريق رفع مستوى التعاون بين دول العالم في مجالات التربية والتعليم والثقافة لإحلال الاحترام العالمي للعدالة ولسيادة القانون ولحقوق الإنسان ومبادئ الحرية الأساسية ،
تدعم اليونسكو العديد من المشاريع وبرامج التأهيل والتدريب واتفاقيات التعاون للتوصل إلى الحفاظ على الحضارة العالمية والتراث الطبيعي وحماية حقوق الإنسان ، ومن إحدى مهامها إعلان قائمة مواقع التراث الثقافي العالمي التاريخية أو الطبيعية ومطالبة المجتمع الدولي بحمايتها وإبقائها سليمة .
أصدرت منظمة اليونسكو عدة قرارات أكدت هوية مدينة القدس العربية والإسلامية ، وأول قرار اتخذته في هذا المجال كان في عام 1956 ، والذي نص على ضرورة اتخاذ جميع التدابير من أجل حماية الممتلكات الثقافية في المدينة المقدسة في حال النزاع المسلح ، ثم تلاحقت قراراتها فيما بعد :
فبعد بعد استيلاء قوات جيش الاحتلال الإسرائيلية على باقي مدينة القدس في عام 1967 قامت بإزالة الأسوار التي تفصلها عن الجزء المحتل منذ عام 1948 ، وعهدت إلى الجامعة العبرية بإجراء الحفريات على امتداد سور الحرم القدسي الشريف ، وبدأت هذه الحفائر بالفعل في عام 1968 ، وقد كشف التقرير الذي نشره بنيامين مازار عن أنه لم يعثر على شيئ يتشبث به لإثبات التواجد التاريخي لليهود بالقدس
تسببت الحفريات في تصدع بعض الآثار الإسلامية القريبة من المسجد الأقصى المبارك الأمر الذي رأت معه منظمة اليونسكو أن هذه الإجراءات تمثل تهديداً للتراث الإنساني والحضاري القائم في مدينة القدس ؛ فبادرت إلى تسجيل المدينة على قائمة التراث العالمي ، وطالبت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بالامتناع عن استئناف حفرياتها ووقف التعديلات التي تحاول إدخالها على التنظيم المدني والتخطيط العمراني للمدينة ، ولكن ذلك لم يردعها ، فاتخذت اليونسكو قرارات من شأنها تحقيق أغراض حماية الطابع الخاص للقدس وما تضمه من آثار ومواقع تاريخية وثقافية .
* ففي عام 1968م أصدرت المنظمة القرارين رقم 342 ورقم 343 ويتضمنان توجيه نداء دولي إلى سلطات الاحتلال لتحافظ بمنتهى الدقة على المواقع والمباني الأثرية وغيرها من الممتلكات الثقافية ولا سيما في مدينة القدس ، ولتمتنع عن القيام بعمليات التنقيب عن الآثار أو نقل هذه الممتلكات أو تغيير معالمها أو طابعها الثقافي والتاريخي .
وفي عام 1974 اتخذت المنظمة قراراً يقضى بالامتناع عن تقديم أي عون ثقافي وعلمي لسلطات الاحتلال الإسرائيلية بسبب ممارساتهما في القدس .
وفي عام 1978 أصدر المؤتمر العام لليونسكو قرارين مهمين بخصوص مدينة القدس : الأول توجيه نداء عاجل إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلية لتتوقف عن كافة الإجراءات التي تحول دون تمتع السكان العرب الفلسطينيين بحقوقهم في التعليم والحياة الثقافية والوطنية ، والثاني يدين قيامها بتغيير معالم القدس التاريخية والثقافية والعمل على تهويدها .
وحتى المجلس الأوربي أصدر بيان البندقية الذي صدر في 13/6/1980 وأكد فيه على رفض أية مبادرة أحادية الجانب تهدف إلى تغيير وضع مدينة القدس ، والمجلس الأوروبي هو قمة لرؤساء الدول ورؤساء الحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ، وتهدف هذه القمم بين المسؤولين التنفيذيين للدول الأعضاء إلى تحديد المجالات الرئيسية لسياسة الاتحاد الأوروبي لا سيما في السياسة الخارجية .
وفي عام 1996 اتخذت المنظمة قراراً ينص على أن مدينة القدس مدرجة على قائمة التراث العالمي المهددة بالخطر ، ويشجب قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلية بفتح النفق بمحاذاة الحائط الغربي للحرم الشريف .
وفي عام 2000 أصدرت المنظمة قراراً يعبر عن قلق المؤتمر العام إزاء التدابير التي ما زالت تعوّق حرية وصول الفلسطينيين إلى مدينة القدس وإلى الأماكن المقدسة الواقعة في مدينة القدس .
وفي عام 2003 اتخذت اليونسكو قراراً بإرسال بعثة فنية إلى القدس لتقييم وضع البلدة القديمة على خلفية الإجراءات والحفريات الإسرائيلية فيها .
وبين عامي 2005 و 2006 اتخذت اليونسكو عدة قرارات نصت على القيمة الاستثنائية لمدينة القدس وأسوارها ووضعتها على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر ، وأشارت إلى العقبات التي تضعها سلطات الاحتلال الإسرائيلية وتحول دون صون التراث الثقافي فيها .
وفي عام 2007 اتخذت قراراً بمطالبة سلطات الاحتلال الإسرائيلية بتقديم تقرير مفصل بشأن الحفريات التي تجريها في منحدر باب المغاربة المتاخمة للمسجد الأقصى المبارك .
وفي عام 2010 أصدرت اليونسكو قرارها الذي يتضمن القلق البالغ إزاء ما يجري من أشغال للتنقيب والحفريات الأثرية في مباني المسجد الأقصى المبارك وفي مدينة القدس بما يتناقض مع القرارات العديدة الصادرة عن اليونسكو والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي .
وفي عام 2014 أصدرت اليونسكو قرارها الذي يشجب امتناع سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن وقف الحفريات والأشغال التي ما زالت تنفذها في مدينة القدس ، ويشجب التدابير والممارسات الإسرائيلية الأحادية الجانب المتواصلة وعمليات الاقتحام التي يقوم بها المستوطنون في القدس .
وفي عام 2015 يعرب المؤتمر العام لليونسكو عن بالغ أسفه لرفض سلطات الاحتلال الإسرائيلية تنفيذ قرارات اليونسكو السابقة المتعلقة بالقدس ، ويستنكر امتناع القوة المحتلة عن وقف أعمال الحفر والأشغال التي لا تزال تنفذها في القدس الشرقية ، ويأسف أيضاً لما ألحقته قوات الاحتلال من أضرار بأبواب ونوافذ الجامع القِبلي من المسجد الأقصى المبارك عام 2014 ، ويعرب عن قلقه البالغ إزاء قيام إسرائيل بإغلاق مبنى باب الرحمة الذي يُعدّ أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك ، ويستنكر قرار إسرائيل الموافقة على إنشاء تلفريك في القدس .
وفي عام 2016 صدر قرار اليونسكو الذي يطالب القوة المحتلة بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائماً في المسجد الأقصى المبارك ، ويستنكر بشدة اقتحامه المتواصل من قبل متطرفي اليمين الإسرائيلي ، ويستنكر القيود التي فرضتها إسرائيل على المسجد الأقصى المبارك ، ويؤكد مجدداً وجوب التزامها بصون سلامته وأصالته وتراثه الثقافي وفقاً للوضع التاريخي الذي كان قائماً بوصفه موقعاً إسلامياً مقدساً مخصصاً للعبادة وجزءاً لا يتجزأ من موقع للتراث العالمي الثقافي ، ويؤكد مجدداً أن منحدر باب المغاربة جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك .
وفي تاريخ 2/5/2017م صوت المجلس التنفيذي لليونسكو على قرار يؤكد قرارات المنظمة السابقة باعتبار إسرائيل محتلة لمدينة القدس ، ويرفض سيادة سلطات الاحتلال الإسرائيلية عليها . هذا القرار الذي أغضب إسرائيل ـ كسابقه ـ لدرجة جعلت نتانياهو رئيس وزرائها يصرح بأن سلطات الاحتلال تكفر بمنظمة اليونسكو ولا تؤمن إلا بحقيقة أن القدس ملك لها موحدة وإلى الأبد وستظل تحت سيادتها وهي قدس أقداسها .
ليس هذا فقط ، بل أعلن الانسحاب من المنظمة بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية منها غضباً لربيبتها وحليفتها إسرائيل ، مع العلم أنْ ليس هذه المرة الأولى التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من المنظمة ، فقد سبق أن انسحبت منها في ثمانينات القرن الماضي ، ثم عادت إليها عام 2003 .
هكذا إذن ، إعلان صريح برفض الانصياع لقرارات الشرعية الدولية مهما كانت الجهة المصدرة لها ، فما المطلوب منا في مواجهة هذا الصلف والغرور والاستقواء ؟ ما المطلوب منا وقد بدأت سلطات الاحتلال باتخاذ قرارات وتشريعات وخطوات وتدابير متسارعة لتهويد مدينة القدس وبسط هيمنتها عليها وبالأخص بعد قرار الرئيس الأمريكي ترمب ؟
إننا نرفض رفضاً باتّاً كل إجراء أو قرار أو تشريع يصدر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلية ويهدف إلى تغيير وضع مدينة القدس المحتلة والمسجد الأقصى المبارك وهويتهما العربية والإسلامية ، فحقنا فيهما ثابت راسخ وعميق بدأ منذ فجر التاريخ ولن نتنازل عنه مهما كانت الإغراءات والضغوطات والمؤامرات والصفقات المشبوهة ، وحتى لو تماهى معها بعض أبناء جلدتنا ، فإننا على يقين لا يساوره شك في أن الاحتلال إلى زوال ، وأن الظلم لن يدوم في هذه الأرض المباركة ولا في مدينتها المقدسة ، فما أكثر الاحتلالات التي تعرضت لها ، فأين هي اليوم ؟
وإننا نطالب كافة فصائل العمل الوطني الفلسطيني العمل على تحقيق الهدف المركزي والرئيسي الذي أنشئت من أجله وهو تحرير فلسطين ، ونطالبها في سبيل تحقيق ذلك بوضع برنامج عمل وطني يقوم على أساس تحرير التراب الفلسطيني من قبضة الاحتلال الغاشم وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وكاملة السيادة على التراب الفلسطيني وعاصمتها مدينة القدس المباركة .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى