مدونة الأردن

كامل العجلوني..”الطبيب المبدع”

تزخر الأرض الأردنية المعطاءة بنخبةً من العلماء والمفكرين والمبدعين الذين حرصوا على مواصلةليلهم بنهارهم لإعلاء الصرح في بلد العزة والكرامة – في أردن الخير والعطاء- فهؤلاء النخب لهممنا كل الاحترام والتقدير ولا بد من الوقوف على بعض إنجازاتهم والتعريف بها فعندما نقول: إنه رئيس المركز الوطني للسكري والغدد الصماء وأبرز المساهمين في بناء وتأسيس كلية الطب في الجامعة الأردنية وأحد مؤسسي جامعة العلوم والتكنولوجيا ورئيسها لمدة تسع سنوات، بالإضافة إلى العديد من الإنجازات التي لا بد من الوقوف عندها يدرك القارئ والسامع بأننا نتحدث عن شخصية معالي الأستاذ الدكتور كامل العجلوني.
ولد الدكتور كامل العجلوني عام 1943م في بلدة الصريح في محافظة إربد وعائلة العجلوني تعود في نسبها إلى عشيرة شيبة الحمد القرشية أو إلى عشيرة الشيابين من عتيبة وهو من أبناء عمومة الشيخ محمد أبو دراهم جد البطوش. هاجر مع الشيخ أبو دراهم إلى الإحساء ومنها إلى منطقة نجد (قرية تمير) ثم هاجروا جميعاً إلى قرية خنزيرة (الطيبة حالياً) بمنطقة الكرك، ومنها إلى دورا بمنطقة الخليل ثم إلى إيدون واستقروا أخيراً في الصريح وسبب تسميتهم بالعجلوني هو كما جاء في كتاب معجم العشائر الأردنية لدولة السيد عبد الرؤوف الروابدة أن أحد أجدادهم كان يدرس في مصر في العهد العثماني ولما كان قادماً من عجلون فقد أطلقوا عليه لقب العجلوني وهم بيت علم ويرتبطون بآل الطبري في طبريا بالمصاهرة والتحالف منذ عهد بعيد.
تلقى الدكتور كامل العجلوني تعليمه الابتدائي في العديد من المدارس سواء في الأردن أم فلسطين وذلك لكون والده يعمل قاضياً شرعياً وطبيعة عمله تقتضي التنقل والترحال من منطقة لأخرى في عجلون،القدس، الخليل، الكرك،عمان،بالإضافة لعدة مناطق أخرى،ومنالجديربالذكرأنه قد حصل على شهادة المترك من كلية الحسين وذلك عام 1960م ليلتحق بكلية الطب في جامعة هايدلبرغألمانيا ويتخرج فيها عام 1967 وتابع دراسته؛ ليحصل على درجة الدكتوراه في التشريح من الجامعة نفسها عام 1968م، بعدها انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليختص بالطب الباطني لينال البورد الأمريكي في هذا المجال عام 1974م وحصل على الزمالة الأمريكية للغدد الصماء والسكري من كلية ويسكنس الطبية في 1975موحول ذهابه إلى ألمانيا ودراسته الطب هناك يروي الدكتور كامل العجلوني في رواية لا زالت حاضرة في ذاكرته فيقول: «لم يجبرني والدي على دراسة تخصص معين لأنه كان يحترم الرأي الآخر ويحترم رأيي ورغبتي في دراسة الطب وأرسلني إلى ألمانيا عام 1961م في حين رفض الشنقيطي – وزير التربية والتعليم آنذاك- أن يقبلني إلا بالشريعة، وكان محمد نوري شفيق مدير البعثات يقول للشنقيطي: إن كامل الأول في الفيزياء على المملكة ويجب أن يدرس الطب وتصادمتُ معه بالرأي وقلت له: أليس من الأولى أن يدرس ابن قاضي القضاة الشريعة، فلماذا أرسلت ولدك إلى تركيا؟ فأجابني قطع الله لسانك.

عاد الدكتور كامل العجلوني إلى وطنه الأردن بعد غياب دام أربعة عشر عاماً رغبةً منه في خدمة بلده واستثمار جميع خبراته ومعارفه التي حصل عليها في بلاد الغرب لصالح أبناء وطنه رغم جدّية العروض المقدمة له هناك سواء أكانت ماديّة أم معنوية، حيث بدأ التدريس منذ أن كان مقيماً في أميركا حيث عُين معلماً سريرياً ثم تدرج في ذلك أثناء عمله كرئيس للمقيمين ثم كزميل في الغدد الصم والوراثة، ولكنه اختار العودة ليربي أولاده على القيم الإسلامية الصحيحة التي تصقل شخصياتهم فهو يؤمن أن على أبنائه أن يكملوا مرحلة البكالوريوس في وطنهم ثم يتجهوا إلى جامعات الغرب لينالوا بقية الدرجات العلمية من هناك.
في عام 1975م أسهم الدكتور كامل العجلوني في بناء كلية الطب في الجامعة الأردنية وعَمِلَ في بداية الأمر كأستاذ ثم رئيساً لقسم الباطنية ومساعداً للعميد وأشرف بنفسه على تخريج أول فوج في كلية الطب عام 1978مولا تقف إنجازات الدكتور العجلوني عند هذا الحد بل تجاوزت ذلك إلى إسهاماته في بدء برنامج الدراسات العليا المبرمج والمتدرج مع تخريج أول فوج في الجامعة الأردنية كامتياز ثم مقيم أول ثم مقيم ثان… الخ،وشارك في وضع قانون المجلس الطبي الأردني الذي يتم من خلاله إخضاع جميع خريجي كافة الدول لامتحان موضوعي بغرض البت النهائي في موضوع معادلة الشهادات الورقية وما يتبعها من إجراءات ومصاعب، وقام بوضع الإطار القانوني والجهاز التنفيذي للهيئة العربية العليا للتخصصات الطبية (البورد العربي)، كما وضع نظام التدريب في الاختصاصات الفرعية الأردنية وبذلك أصبح جميع الأطباء يخضعون لامتحانات متخصصة في كل الاختصاصات الفرعية. شغل الدكتور العجلوني منصب رئيس المجلس العلمي للأمراض الباطنية (البورد العربي) في الفترة ما بين عامي (1981-1983)؛ لينال بعد ذلك ثقة جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه حين بلغه باستلام حقيبة وزارة الصحة (1984-1985) وخلال وجوده في وزارة الصحة قام بالعديد من الإنجازات الهامة والتي تُسجل للدكتور العجلوني فقد قام بتعميم التعليم التمريضي، وعمل على إيجاد ما يُسمى بالمراكز الصحية المكتملة، وضرورة أن يبيت الطبيب في مركزه وقد بلغ عدد هذه المراكز 300 مركز صحي منتشرة في جميع أرجاء المملكة كما وقام بالعديد من الخطوات الهامة بهدف إصلاح مستشفيات وزارة الصحة، بعد هذه الإنجازات الهامة والإسهامات التي قام بها الدكتور العجلوني في تنمية وتطوير القطاع الصحي شغل العجلوني منصب رئيس المجلس الطبي الأردني قبل أن يصبح رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية لمدة تسع سنوات (1986-1995) كما وكان الدكتور العجلوني أحد أعضاء كل من: المجلس الأعلى للتكنولوجياومجلس التربية والتعليم.

جاءت الإرادة الملكية السامية بإختيار الدكتور العجلوني عضواً في مجلس الأعيان الأردني وقد شغل مقعده في المجلس في الفترة ما بين عامي (1996-2001)م كرئيس للجنة الصحية والبيئية كما وتوالت مشاركاته في الكثير من الدول العربية والأوروبية بدعوته لإلقاء محاضرات علمية في مجال السكري والغدد الصماء والعلوم الطبية العربية والإسلامية وله من يقارب (144) بحثا علميا منشورا في العديد من المجلات العلمية المتخصصة في العلوم الطبية. نال الدكتور العجلوني درجة الدكتوراه الفخرية في القانون- جامعة وندسور- كندا عام 1996م، ونال زمالة الكلية الأمريكية للغدد الصم والسكري عام 2002م، وزمالة الكلية الملكية البريطانية للأطباء عام 2007م.

وللدكتور كامل العجلوني العديد من المساهمات في دعم المجال الطبي في عدد من الدول العربية فعلى سبيل المثال قام العجلوني بافتتاح وتأسيس أكبر مؤسسة طبية في الخليج العربي وهي مؤسسة حمد ومشفاها وكان أيضاً أحد المؤسسين الأوائل للمجلس العربي للتخصصات الطبية منذ تأسيسه في اجتماع وزراء الصحة العرب في الكويت عام 1977م وأسهم بتأسيس مجلس الأمراض الباطنية في مجلس التخصصات العربية وترأس لجنة اعتماد المستشفيات؛ ما أسهم في رفع مستوى المستشفيات في العالم العربي حيث قام وبالتعاون مع اللجنة التي يرأسها بوضع معايير الاعتماد لهذه المستشفيات وأهمها نظام ضبط الجودة، وكان أحد أعضاء جمعيتي السكري والغدد الصماء في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

قام الدكتور كامل العجلوني بتأسيس المركز الوطني للسكري والغدد الصماء والوراثة في الأردن وهو مركز ريادي معروف على مستوى العالم يقوم بإجراء البحوث العلمية ذات الصلة بموضوع السكري والغدد الصماء والقيام بتأهيل الأطباء واستحداث تخصصات جديدة في مجال الطب والتمريض والخدمات الأخرى أبرزها: طب سكري، تمريض مختص بالسكري، تمريض أو فني مختص بالقدم السكرية، تمريض أو فني مختص بالتغذية السريرية، تثقيف صحي مختص، وذلك ضمن برامج المعهد الوطني للسكري والغدد الصم والوراثة.

وانطلاقاً من مقولة – لكل مجتهد نصيب- فقدحصد الدكتور العجلوني العدد من الجوائز والأوسمة نظراً لجهوده المبذولة في تطوير القطاع الصحي؛ فقد نال جائزة المنحة التعليمية الألمانية لخدمات التبادل الأكاديمي،وجائرةعبدالحميد شومان للعلماء العرب الشبان 1983م، وجائزة مؤسسة سيلفر الأمريكية لبحوث السكري 2001م،وجائزة الدولة التقديرية في حقل العلوم البحثية والتطبيقية لعام 2002م، وجائزة حصاد التميز للجامعة الأردنية لعام 2007م، جائزة الباحث المتميز لعام 2007م في مجال العلوم الطبية والصيدلانية، وجائزة الشيخ حمدان بن راشد لتكريم الشخصيات الطبية المتميزة في العالم العربية عام 2011م، كما وحصل على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، ووسام التربية والتعليم من الدرجة الأولى.

إن الحديث عن إنجازات الدكتور العجلوني لا تُعد ولا تحصى ومن الصعب حصرها وذكرها في وقت قصير فبالإضافة لما سبق فإن العجلوني عَمِلَ محرراً مسؤولاً للمجلة الطبية الأردنية ما بين عامي (1979-1984)م وهو استشاري لعدد كبير من المجلات المحلية والعربية والعالمية وأسهم في التحكيم لبضع جوائز ذات صلة بالمواضيع الطبية ومجالات الإبداع.

لقد أغنى الدكتور كامل العجلوني المكتبة العربية بنخبة من كتب ذات أهمية كبيرة أبرزها: الاستنساخ بين العلم والأديان والمعتقدات، الجنس في اليهودية والمسيحية والإسلام،داء السكري،السكري بين يدي المواطن.
يقول الإمام علي رضي الله عنه: «ألا لن تنالوا العلم إلا بستة سأنبيك من مجموعها،بيان، ذكاء، حرص، اصطبار،لغة،إرشاد أستاذ وطول زمان»ولابد أن هذه الصفات قد اجتمعت عند أبي صخرحتى تمكن من الوصول إلى ما هوعليه الآن فهو العالم العارف والطبيب المتمكن والسياسي المحنك، القادرعلى إيجاد الحلول لمختلف الصعوبات التي تظهر أمامه ولديه القدرة على رسم أفضل السياسات ليجعل حياة الناس وصحتهم أكثر سلامة فكان من أوائل الأشخاص الذين اقترحوا إنشاء حدائق عامة يمارس فيها الناس أنواعا مختلفة من الرياضات وأهمها رياضة المشي والتي تحمي الإنسان من الإصابة بأمراض السكري والتوتر الشرياني والدهنياتوالتي تكلف الدولة مبالغ باهظة عند علاج المصابين بهذه الأمراض المزمنة.

يُعرف أبوصخر بوقاره ولا بد من أن الحكمة والحنكة قد نالتا نصيباً وافراً من شخصيته، يحب كثرة العمل والإخلاص فيه، لا يقول إلا ما يفعل، واسع الصدر، نظيف اليد والمسلك، الإسلام دينه ويحب الاستشهاد بآيات القرآن الكريم وبأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حواره ونقاشه،تنقل في العديدمن المناصب ترافقه الصراحة في الحق والشفافية في التعامل والزهد في الدنيا،أطال الله في عمر العالم الأردني والطبيب المبدع معالي الأستاذ الدكتور كامل العجلوني ومتعه بموفور الصحة والعافية.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى