مدونة الأردن

حسين الطراونةرئيس المؤتمر الوطني الأول

الحياة نيوز- لم يكن حسين الطراونة شيخ عشيرةوأحد وجهاء الجنوب فحسب بل كان مناضلاً ورمزاً وطنياً خالداً امتلك وعياً سياسياً فطرياً وسمات قيادية بارزة صنعتها الخبرة والمراس في فترة الاضطرابات المتلاحقة وغياب المرجعية الواضحة وفقدان البوصلةفي أعقاب اندحار الجيوش العثمانية واقتسام الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية للمشرق العربي بعد نكثهم للمواثيق وخيانتهم للعهود المقطوعة للعرب الثائرين على الظلم والإستبداد. فالشيخ حسين الطراونة المولود في الربع الأخير من القرن التاسع عش حسب الروايات في الكرك أبرز مدن الاردن وأكثرها أهمية في تلك الحقبة من الزمن فلقد برز شاباً على وعي كبير بما تشهده المنطقة من تحولات فالأتراك الضعفاء انقلبوا على الناس ظلماً وتحقيراً وأثقلوا كاهل المواطنين العرب بالضرائب، والتجنيد الإجباري وكبت الحريات حتى جاءت ممارسات العسكر في الإحصاء العام وتنادى ابناء الكرك كثوار كرامة وحرية في”هية الكرك” سنة 1910م تلك الثورة التي قمعتها الطوابير التركية بكل وحشية ، وفتكت بالناس وقتلت العشرات وإعتقلت الأحرار من رجال ونساء فما تزال القلعة والكهوف المغلقة شاهدة على دماء الشهداء وعذابات السجناء والمنكّل بهم وكان لحسين الطراونة دوره البارز في أحداث الثورة وسير مواجهاتها والذي كان دائماً لا يحبذ المواجهة العسكرية ، لكن الأتراك لم يستجيبوا لتحذيراته فما كان منه إلاّ أن انضم للثورة التي اندلعتفكان إلى جانب قدر ورفيفان المجالي والشيخ منصور بن طريف وغيرهم.
كانت تلك التجربة كبيرة في تأثيراتها في المنطقة، وفي بناء شخصية حسين الطراونة فمع خروج الملك فيصل من دمشق وفراغ البلاد من السلطة المركزية تم تشكيل الحكومة المؤابية لتضم معظم نواحي الجنوب بما فيها الكرك والطفيلة وكان على رأس هذه الحكومة الناشئة الشيخ رفيفان المجالي والذي قام بمهام متصرف اللواء وكان الشيخ حسين الطراونة رئيساً للجنة القوانين التي تمثل السلطة التشريعية ووقع على عاتق هذه الحكومة مسؤوليات كبيرة وغاية في الصعوبة من أهمها حفظ الأمن والإستقرار بين العشائر المتحاربة وتأمين الموارد المالية من أجل إدارة وتنمية المنطقة، وقد تميزت هذه الحكومة بوضع القوانين والأنظمة التي تساعدها في مهامها ، غير أن مقوماتها السياسية والاقتصادية والإدارية، لم تؤهلها لمواجهة الواقع العشائريالمضطرب في الكرك ومحيطها وهذا ما سمح للضابط البريطاني التدخل بشؤونها الداخليةمما أوجد إستياء من أفعاله خاصة مع إستقدامه قوة من القدس بحجة مساعدة الحكومة في حفظ الأمن وهذا أثار مشاعر الناس والحكومة كان حسين الطراونة مدركاً لأهمية الوحدة نظراً لسياسة بريطانيا القائمة على مبدأ فرق تسد لذا حرص على عدم إنفصال الطفيلة عن حكومة مؤاب ورحب بمشروع علي خلقي الشرايري في توحيد حكومات شرق الأردن لكنه رأى في المطالبة بضم لواء حوان والجولان ومرجعيون وصور وهي مناطق تقع تحت الإحتلال الفرنسي، مطلباً مبالغاً فيه في ظل ضعف الحكومات المحلية وتفرقها بالإضافة الى أطماع فرنسا وبريطانيا الواضحة.
بعد سقوط دمشق بأربعة أشهر، استجاب الامير عبد الله بن الحسين لمطالب أحرار العرب فقدم إلى معان فبادر الشيخ حسين الطراونة بإعلان التأييد لمقدمه بإعتباره أميرا هاشميا من قادة الثورة وهو وحده القادر على توحيد الحكومات المحليةوتأسيس قوة كبيرةلتحريرسوريا من الإستعمار خاصة مع عدم مقدرة الحكومات على حفظ الأمن وتحقيق مطالب وأحلام الأمة فكان الشيخ حسين الطراونة من الشخصيات الأردنية التي ذهبت للترحيب بقدوم الأمير عبد الله وحثه للقدوم إلى عمان رغم رفض البريطانيين لهذه الخطوة وقد كان مع عدد من شيوخ ووجهاء الكرك في إستقبال الأمير الذي وصل محطة القطرانة في طريقه إلى عمان في الأول من آذار سنة 1921م.
تقديراً لمكانة الكرك ولدور رجالاتها، بادر الأمير بزيارتها في حزيران 1921م وقد بقي رفيفان المجالي متصرفاً للكرك وعيّن خلف التل قائداً للمنطقة للمساعدة في حفظ الأمن كان حسين الطراونة معارضاً للإنتداب البريطاني فهو يرى أن البلاد تستحق الإستقلال التام وقد أدى بروز ما عرف باسم (معاهدة 1928) إلى ظهورالمعارضة السياسية في شرق الأردن فالشيخ حسين الطراونة الرافض للوجود البريطاني وجد الفرصة للتعبير عن رفضه للمعاهدة المخيبة لآمال الأردنيين والمفروضة بالقوة على البلاد حيث كانت مجحفة بحق البلاد مما ولّد الإحتجاجات، وقد قاد الطراونة حركة للضغط على أعضاء المجلس التشريعي لرفض التصديق على المعاهدة لكن هذه الجهود لم تحقق الغاية المرجوة فدعت الشخصيات الأردنية إلى مؤتمر عام سمّي المؤتمر الوطني العام الأول الذي عقد في 25 تموز 1928م في مقهى حمدان في عمان وتم خلاله رفض المعاهدة والمطالبة بتحقيق إستقلال شرقي الأردن وتخلّصه من الإنتداب البريطاني وتم إنتخاب حسين الطراونة رئيساً للمؤتمر الذي ضم كبار رجالات الأردن وصدر عن المؤتمر الميثاق الوطني الذي تضمن مطالـب الشعب وهوما رفضته بريطانيا واعتبرت حسين الطراونة شخصاً غيرمرغوب فيه وتم قطع مخصصاته المالية(بحث موسى الكايد). ولعدم وجود تجارب حزبية تحولت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني إلى حزب سياسي في 10 نيسان 1929 باسم ”حزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني” برئاسة حسين الطراونة ليكون أول حزب سياسي أردني وقد عقد الحزب عدة مؤتمرات في عمان وإربد وتركزت مطالبهعلى تحقيق الإستقلال وصون الحقوق والحريات وقدم الشيخ حسين الطراونة خلال ترؤسه المؤتمر الوطني وخلال قيادته لحزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني نموذج المناضل الذي يؤثر مصلحة الوطن على مصلحته فهو ابن لثورة الكرك وحكومة مؤاب وقائد سياسي ووطني لا يختلف على وطنيته ونبله اثنان. وقد أصدر حزبه مجلة الميثاق و وصفت مطالبها ونهجها من قبل المنافسين أنها صعبة المنال ومتطرفة لا تتماشى مع ظروف البلاد الحاليةمما اضطر المجلة للتوقف عن الصدور. وكان للحزب دور فاعل في مواجهة توجه اليهود لشراء واستغلال أراض أردنية وساهم في إقرار عدم بيع الأراضي للأجانب وتعرّض الحزب لإنشقاقات أضعفت تأثيرهحتى حلّ الحزب وغاب عن الساحة بعد قيام أحزاب اخرى منها حزب ”الشعب الأردني”بعد سنوات رأى بعض رجالات الأردن، الحاجة لعودة حزب الجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني وطلب من حسين الطراونة أن يترأس الحزب مرة أخرى غير أن أوضاعه الصحية حالت دون ذلك لكنه شجعهم وأيدهم في مسعاهم . لقد دخل حسين الطراونة المجلس التشريعي أكثر من مرة كان خلالها من قادة المعارضة الوطنية التي دعمت الأمير وأكدت شرعيّة حكمه وواجهت البريطانيين وأطماعهم في إحكام قبضتهم على البلاد وقد عرف عن الطراونة دعمه للمقاومة في فلسطين حيث ترأس الوفد الشعبي الأردني عام 1930م، لدعم لجنة البراق في القدس وقدم مذكرة بإسم الشعب الأردني مستنكراً المزاعم اليهودية في حائط البراق وشارك في المؤتمر الوطني العربي الإسلامي في القدس 1931م الذي ساهم في تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إسلامية جوهرية وشارك أيضاً في مؤتمر بلودان في سوريا ضد مشروع التقسيم في فلسطين.
لقد كان الشيخ المناضل حسين الطراونة شخصية فذة ، طبعت ملامحها السياسية والوطنية في مرحلة بالغة الحساسية وكان بحق مثال المعارض المخلص لوطنه وقيادته في مواجهة الإستعمار الغربي الطامع الذي لم يخرج من بلادنا راغباً لكنه خرج تحت ضغط أحرار البلاد وقادته الحكماء.

اخبار الاردن

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى