مدونة الأردن

بندر ومشخص المجالي … رائدات العمل النضالي والكفاحي

لم  المرأة الأردنية منذ فجر التاريخ، عن مجريات الأحداث السياسية والعسكرية، بالإضافة لدورها الاجتماعي الواضح، وقد نهلت من الثقافة العربية الإسلامية عبر المراحل الزمنية المختلفة، وقد أدى طغيان الطابع البدوي على بلدات وبادية الأردن منذ سيطرة الدولة العثمانية على البلاد العربية حتى حدود دولة مراكش، فقد كان للمرأة البدوية حضور في الحياة اليومية والعامة أكثر فعالية من المرأة في المدينة، حيث تمتعت بحرية أوسع، والمقدرة على محادثة الرجال واستقبال الضيوف في حال غياب الرجل صاحب البيت، والمساهمة في الأعمال خارج البيت سواء في تربية المواشي، أو بالأعمال الزراعية المختلفة، وقد تعدى دورها إلى ما هو أكثر من ذلك، فلقد كان لها إسهام في المعارك والمناوشات التي تتعرض لها القبيلة أو البلدة، إما لإثارة الحماسة في قلوب الرجال، ودفعهم إلى مقارعة الغازي بكل تصميم وفداء، أو حتى المشاركة الفعلية في المعركة إن اقتضت الحاجة.

قدم الموروث الشعبي المحلي نماذج فريدة للمرأة الأردنية، فنجد المرأة الشاعرة، والمرأة الطبيبة، والمرأة الفارسة، إلى غير ذلك من النساء المتميزات اللواتي حفظتهن الذاكرة الشعبية على مر الأيام، وقد تميزن بمكارم الأخلاق، والإيثار، وإكرام الضيف، وصون العادات والتقاليد، فحظيت بمكانة متقدمة قياساً بالمرحلة الزمنية، مقارنة بما كانت علية المرأة في المدن والحواضر الكبيرة حينها، وربما أسهم الفضاء المفتوح للبادية والقرية، والأبواب غير الموصدة، ومتطلبات خروج المرأة للعمل ومعاضدة الرجال، في دفع باتجاه أن تخطط المرأة مكانة خاصة بها ومتقدمة نسبياً، وقد يكون هذا الواقع المشهود بحاجة إلى دراسة أشمل وأكثر عمقاً، تكشف ما هو أبعد من هذه الجوانب.

شكلت الكرك وما حولها حالة فريدة في تاريخ الأردن الحديث، وكان لها دور طليعي في كثير من المجالات والأحداث، لذا كان لكل من بندر ومشخص المجالي دور ريادي، في المسيرة الاجتماعية والسياسية، دون أن يقصدن ذلك، بل هو دور فرضه الواقع الذي وضع المرأة أمام واجبات أكبر من ما هو متوقع منها في تلك الفترة، لقد كانت بندر ومشخص شقيقتين متقاربتين في العمر، حيث تشير بعض الروايات إلى أن ولادتهن كانت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في مضارب عشيرة المجالي في الكرك، وكان فارس المجالي والدهن، يعد من شيوخ ووجهاء الكرك، حيث عرف بالشجاعة والفروسية، وإكرامه للضيف، وقد ربى بناته على هذه الخصال، لأن المرأة الجديرة بالمحبة والاحترام، هي القوية بالحق، الساندة لزوجها، حتى عرفت بأخت الرجال، لها ما لهم وعليها ما عليهم في كثير من الحالات، وكانت البنات في تلك المرحلة يتزوجن بسن مبكرة، لقلة عددهن ومقدرتهن على تحمل المسؤولية، وفي ظل غياب المدارس، وعدم وجود وظائف في تلك المرحلة، ولمَ عرف عن بنات فارس المجالي بندر ومشخص من خصال حميدة، وجرأة في الحق، ووعي فطري ميزهن عن كثير غيرهن، فقد تقدم للزواج منهن خيرة رجال المجالي، بل هم شيوخ مشايخ، حظوا بالتقدير والمكانة الكبيرين، فلقد تزوج الشيخ رفيفان باشا المجالي من بندر، وتزوج الشيخ قدر باشا المجالي من مشخص.

كانت عشيرة المجالي على رأس عشائر الكرك، التي تداورت على زعامة المنطقة عبر مراحل زمنية متعاقبة، وقد انضوت العشائر الأردنية تحت لواء الدولة العثمانية لفترات طويلة، لكن الانزياح الكبير في سياسة الدولة، وجنوح ممارساتها التعسفية التي قادها حزب الإتحاد والترقي العنصري، الذي أنقلب على الشرعية في اسطنبول، واستيلاؤها على الحكم، وبالتالي بدأت باضطهاد رعايا الدولة من غير الأتراك، وتم فرض التتريك على العرب، وإرسال الشباب العربي إلى جبهات القتال البعيدة من خلال التجنيد الإجباري. وقد فتكت قوات الدولة بقيادة سامي باشا الفاروقي بالثورات التي بدأت تظهر تباعاً في المنطقة العربية، كرد فعل على ممارسات عسكر الأتراك، وقد عرف سامي الفاروقي بقسوته، وإحراقه للأخضر واليابس في سبيل إخماد حركات التمرد، وتأديب الناس الأبرياء قبل المقاتلين، وقد قامت الدولة بمحاولة لإحصاء النفوس، بهدف تجنيد المزيد من الشباب، ونزع سلاح رجال العشائر، من أجل إحكام قبضتها على هذه المناطق المترامية، وقد أخذوا باضطهاد الأهالي، والتلاعب بالأعمار، فيجعلون من هو في الخمسين والستين في عمر التجنيد، من أجل تغذية الجبهات المشتعلة في محيط الدولة المتهالكة.

دفعت هذه الأفعال الأهالي بالتفكير بالثورة، وقد تخوف عدد من رجال المنطقة، على الأهالي خاصة بعد انتشار أخبار ما تعرض له أهالي جبل العرب، حيث أعمل الفاروقي بنادق عسكره في صدور الناس العزل، في قمعه لثورة الدروز، وهنا برز دور النساء الكركيات اللواتي يمثلن صورة عن المرأة في شرق الأردن في تلك الفترة الصعبة، ودائماً تظهر النساء الحرائر لدفع الرجال للاستماتة في الدفاع عن الأرض والكرامة والعرض، وتؤكد الروايات أن مشخص زوجة الشيخ قدر المجالي، الذي كان يتمتع بزعامة عشائرية كبيرة وقتها، اتخذت موقفاً وطنياً متقدماً، عندما أنقسم الرجال بين رأيين أحدهما مع الثورة ورفض الظلم، ورأي آخر يرى أن المواجهة ليست في مقدورهم، فقد شحذت همة رجلها، حيث أنها رفضت السماح له بالنوم في فراشها، وهو الزعيم المهاب، حتى يعلن موقفه الحازم اتجاه ما يقوم به عسكر الأتراك، من إساءة للناس والتنكيل بهم، وكانت مشخص ذات حظوة كبيرة عند زوجها، فهو لم يتزوج بغيرها رغم عدم إنجابها، كما يذكر ذلك الباحث محمود الزيودي، وكانت هذه الحادثة دليلا على ضيق أهالي المنطقة من تعليمات الفاروقي الصارمة، ومشاركة الناس في مناهضة هذا الواقع الذي يمس الكرامة، ويستولي على قوت الناس.
اندلعت الثورة أو ما عرف بـ»هية الكرك»، وكان ذلك عام 1910م، وتمكن رجال الكرك والطفيلة ومحيطهما، من الاستيلاء على مراكز الحكم والمخافر، والسيطرة على المنطقة، وقد دخلت مشخص وبندر التي لم يقل دورها عن دور شقيقتها مشخص، وهي زوجة الشيخ رفيفان المجالي الذي كان أحد قادة الثورة، فقد دخلن في الذاكرة الشعبية، وذاع صيتهن في كل مكان، وقد ظهر حداء خاص بالثورة ما زال يتردد صداه حتى اليوم، حيث يغني الرجال بقولهم: يا سامي باشا ما نطيع…… ولا نعد رجالنالعيون مشخص والبنات…. ذبح العساكر كارناوقد سرى هذا الحداء كالنار في الهشيم، وعندما قاد سامي باشا الفاروقي طوابير عسكره إلى الكرك، من أجل إخماد الثورة، وتثبيت سلطة الدولة، استخدم القوة المفرطة المعززة بالمدافع، ولاحق الرجال والنساء والأطفال، وقد أدرك الدور المؤثر الذي اضطلعت به كل من بندر ومشخص فارس المجالي، لذا عمل على ملاحقتهن، لذا تم إخلاؤهن مع عدد من النساء إلى الجنوب، بحماية عدد من الرجال، فلاحقهم العسكر وجرت معركة غير متكافئة قتل خلالها محمد المجالي وهو يدافع عنهن، حتى ابتعدت النساء عن قبضة العسكر، لكنه تم القبض على بندر ومشخص بعد ذلك، وتم الزج بهن في سجن معان، فكن أول من سجن من نساء البلاد العربية، من أجل قضية وطنية قومية، وبالتالي كن أول سجينتين سياسيتين، تم اعتقالهن على خلفية نضالية مؤثرة، حيث كانت ثورة الكرك، الممهد الحقيقي لقيام العرب بثورتهم العربية الكبرى، بعد ذلك بست سنوات.

كانت بندر المجالي زوجة رفيفان حاملاً فوضعت مولودها في السجن وكان ذكراً فأسمته «حابس»حيث كان لهذا الطفل شأن كبير، فلقد أصبح حابس رفيفان المجالي بطل معارك حاسمة مثل اللطرون وباب الواد وكان قائداً عسكرياً متمكناً، وأصبح رئيساً لهيئة الأركان العامة المشتركة، في فترة بالغة الحساسية والتعقيد وقد لاحق العسكر الأتراك الرجال في كل مكان، وتم إعدام عدد كبير منهم برميهم من أعلى برج في القلعة إلى الوادي السحيق، ولم تهدأ الأحوال إلا بعيد سنوات عندما حرر جيش الثورة العربية الكبرى البلاد العربيةبعد أربعة عقود من الحكم العثماني التركيلقد أصبحت بندر ومشخص المجالي رمزاً وطنياً متفرداً، يكشف ما تمتعت به المرأة الأردنية منذ فترة مبكرة، من مكانة، مكنتها من إدراك دورها وأداء واجبها بمبادرة فطرية، مستعدة بذلك لتحمل الثمن الباهظ، حتى وإن خسرت زوجها أو شقيقها، أو حتى خسرت حياتها، لأن الأوطان لا تبنى ولا تصان إلا ببذل الغالي والنفيس، وحمل الأحرار لأرواحهم على أكفهم إذا ما ادلهمت المخاطر وعصفت الأحداث بالأرض والإنسان، فتحية للأردنيات المنافحات عن الكرامة والمبادئ السامية، فالسجل الوطني حافل بالنساء الكثيرات اللواتي قدمن للوطن ما لم يقل عن ما قدمه الرجال في أي مرحلة تاريخية مضت.

 

 

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى