مدونة الأردن

الشيخ المجاهد عــودة أبـو تــايـــه

إن كل حدث تاريخي يقف وراءه الإنسان بصنعه وبفعله، أو يتفاعل معه، وهذا لا ينفي بالطبع أن كل حادثة في التاريخ لها ظروفها الموضوعية سواء على المستوى السياسي أو العسكري، لكن التاريخ ليس معملا كيماويا تتفاعل فيه العناصر المختلفة من تلقاء ذاتها، فتنتج الحادثة التاريخية من هذا التفاعل التلقائي، ففي التاريخ عامل خطير هو الإنسان الذي يعي العوامل الموضوعية في الواقع، وبإرادته الواعية الحرة يقرر أن يقدم على الفعل أو يحجم عنه.
أن المفتاح الأساس لفهم شخصية “عودة”، هو أنه صاحب عقيدة يؤمن بها إيمانا راسخا، وذلك من خلال قوله: (في جسدي اثنان وعشرون جرحا، أعزها علي الجروح الأخيرة؛ لأنها كانت من أجل عز العرب، ولن أبخل على أمتي وقومي بما تبقى من سليم في جسدي -والله على ما أقول شهيد -إلى يوم الدين)
كان ) أخو عليا (يرى أن كل تضحية تهون في سبيل إدراك هذه الغاية النبيلة والعقيدة الحقة، عقيدة الحق للأمة والخير للوطن والكرامة لأبناء الأمة والوطن.
في سلوكه الحياتي، كان الرجل الشجاع، الحريص على حمى وطنه وقومه، وكان حاتميا في كرمه ولو أدى إلى فقره، وكان القاهر الظالم عند الضرورة، والمتسامح والبسيط والمتواضع مع الذين يمدون أياديهم إليه بالسلام، والكبير والمستكبر أمام عدوه، كان في غزوه وحروبه يعتز بتقاليده البدوية الأصيلة، ترجمها قولا وفعلا عندما قال للأمير فيصل بن الحسين بعد تحرير العقبة: »إن ما يأتيني من الخدمة وإنما هو خدمة لأمتي..وآمل بل أرى من الواجب، أن كل عربي بدويا كان أو حضريا عليه أن يحذو حذوي في خدمة أمته ووطنه«.
بهذا الموقف استطاع» عودة «أن يوائم بين العقيدة والسلوك، بين المبادئ والواقع، بين الأخلاق والمصالح، وأن يوفق بين طرفي التناقض بالارتقاء إلى مستوى القيم الخلقية والمثل العليا.
مولده ونسبه:
ولد الشيخ عودة أبو تايه بن حرب بن صباح بن فرج بن محمد بن فرج بن فرج بن سلامة بن علوان بن قبال بن حويط بن غازي – في بوادي » الجرباء « من محافظة معان، في العام1870 ، ويعد الشيخ “محمد أبو تايه بن فرج” المؤسس لعشيرة “التوايهة”من قبيلة الحويطات، والحويطات مجموعة من العشائر العربية البدوية، كانت تقيم مضاربها في الجزء الجنوبي من الأردن، حول معان، وفي أرض الشرارة، ويعتقد أن الحويطات هم بقايا العرب الأنباط الذين أسسوا وأنشأوا دولة الأنباط في القرنين الأول قبل الميلاد والأول بعد الميلاد، وكانت عاصمتهم »البتراء«، وقد ذكرهم »بورخارد« في كتاب رحلته إلى الاردن »، أنهم كانوا نازلين في جبال الشراه حول قرى ضانا والبصيرة والطفيلة، وقد شيدوا أبراجا عديدة حول هذه الأماكن، انتهوا من بناء أحداها » برج الطفيلة« حوالي العام 1800م، وأنهم ما كانوا يخرجون جهة الشرق أبعد من » بطن الغول« ، وأن علاقتهم مع مصر كانت أمتن من علاقتهم مع بقية البلاد العربية.
أوصافه:
يتمتع الشيخ عودة بجسم قوي، قيل أنه يشبه أجسام المحاربين القدامى، وظل قويا ورشيقا حتى مرضه، ويمتلك قواما منتصبا كالرمح، لم يتغير هيكل جسده أبدا، بالرغم من تقدم سنه، وكثرة الجراح في جسده، وبقي عموده الفقري مستقيما لم تحنه عمليات الكي، التي كانت يستعملها للتشافي من طعنات السيوف أو لإخراج الرصاصات من ظهره، فليس بين أعضائه عضو سليم من جرح رصاصة، فلا غرابة في ذلك، فقد اشترك في 27 واقعة خلال معارك الثورة العربية الكبرى.
شعره يميل إلى السواد أكثر منه إلى الشيب الأبيض، وكان يستعمل أسنانه كثيرا في حياته العملية، وقيل كان يفك حبال المضارب بأسنانه، ويعدل السيف أو الخناجر في أضراسه، طويل القامة، ضامر البدن، قوي الجسم، خفيف الحركة، نشاطه يشبه نشاط الفتيان والشباب، واسع العينين، حاد النظر، وجهه شاحب متجعد، وجبهته عريضة، وذقنه مدبب، وشارباه عريضان، ويتمتع بصوت جميل وحنون، له نغمة موسيقية عذبة في الغناء والعتابا والهيجنا، وجوهري جذاب عند الحديث والخطابة.
وقد وصفه المؤرخ العربي » جورج انطونيوس « في كتابه » يقظة العرب « بقوله: »لم يكن عودة أبو تايه قائد قبيلة محاربة باسلة وحسب، بل كان أيضا كما وصفه الواصفون، قبيلة في رجل، مقدما في خيمة التشاور مثلما هو مقدم في ميدان القتال. وقلما كان يأنس إلى المشورة، وقد دلت حياته المفعمة بالمخاطر والمغامرات أنه كان في غنى عنها أما في مظهره فإنه كان يذكر النظر بالنسر، أنف أشفى كان قوسه ربع دائرة، ورأس مائل إلى الخلف، وعينان كبيرتان ناعستان، ونظرة على المدى البعيد يرسله في خيلاء
صفاته:
الحديث عن صقر الصحراء العربية الشيخ عودة يطول ويطول كثيرا ولو قمنا بتعداد صفاته لحتجنا إلى أكثر من حلقتين، نذكر بعضها، ونوجز بالحديث عن صفة الكرم، ومن أهم صفاته:
– الشدة والقسوة عند اللزوم وقال في شدته وقسوته مع الأعداء الرحالة التشيكي»الويس موزيل« الشيء الكثير وبالغ في بعضها.
– التقيد بالتقاليد البدوية السائدة، وقد تحدث في هذا الجانب عن شخصيته المطران » بولس سلمان« في كتابه “خمسة أعوام في شرقي الأردن”.
– إجارة الملهوف ونجدة المستغيث، وأكثر العارفين بهذه الميزة، هو الشيخ غضبان الرحال، شيخ عشيرة “سنجارة” من قبيلة شمر.
– عرف بالكرم وبغنى النفس والمال، ووصفوا كرمه بكرم العربي حاتم الطائي، ويتجلى الكرم وغنى النفس عند » عودة« عندما يقترن بالتسامح والعفو عند المقدرة، ويكرم من يحاول تجاوزه والظن به قبل التعرف عليه، مثل ما عمل مع الكابتن البريطاني » شكسبير « ممثل الحكومة البريطانية في الخليج العربي، الذي قام برحلة العام 1914م من الخليج العربي إلى الأردن عبر البوادي الأردنية إلى مصر على ظهور الجمال، وكان برفقة مجموعة من فرسان عشيرة “العقيلات”، وعندما وصل »شكسبير« إلى »الجفر« أقدم الشيخ عودة على احتجازه وعامله كجاسوس اخترق حرمة إمارته، والعرف عند » عودة« أخذ الأذن والموافقة منه شخصيا لكل من يرغب بزيارة المنطقة المذكورة، وعندما اعتذر منه » شكسبير« قبل عذره وقبل اعتذاره، يقول: »لورنس « في كتابه » الأعمدة السبعة« إن الشيخ عودة أبو تايه “طيب خاطر شكسبير، واعتذر له عن احتجازه، وقام بتكريمه، ثم سمح له بالسفر وأعطاه نياقا توصله إلى العقبة، وأرسل معه بعض رجاله لحمايته”.
وروى الكاتب الصحفي الأميركي » لويل توماس « روايات كثيرة عن كرم عودة وقال في واحدة منها: » إن (25) رجلا يستطيعون أن يصطفوا دفعة واحدة حول منسف عودة والكرم عند عودة ليس في تقديم الطعام لضيوفه، بل كان يجود بكل شيء يشعر بأن الطرف الآخر بحاجة اليه وقارن » توماس« كرم عودة بكرم الإنجليزي » بروبن هود« وقال » :لم أجد كرما مثل كرم الشيخ عودة إلا عند الإنجليزي بروبن«
ووصفه الشاعر والمفكر »خير الدين الزركلي« في كتابه» الأعلام «بأنه كان كريما حتى تجاوز حد السخاء، وقال عنه عبدالفتاح اليافي: في كتابه »مذكرات قائد عربيان عودة اتصف بكرم نادر المثال« وقال لورنس: »وهو كريم لا يجارى، حتى ألحق به كرمه الفقر”
– الاعتراف بالجميل كان عودة يعترف بالجميل ويرد الجميل لصاحبه بأكثر منه وقيل: »كان يتذلل بكبرياء للذين يقدمون له معروفا أو مساعدة أو هدية، ويتمنى الاستعجال برد الجميل لأصحابه مهما كان مستواهم الاجتماعي أو المادي حتى ولو كان الرد قد يودي بحياته أو حياة أولاده« ، وقد ضحى بأكثر من ولد عزيز عليه وهو يرد الجميل للآخرين وكان إذا حدّث صدق وإذا وعد لم يخلف أبدا .

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى