مدونة الأردن

المؤرخ سليمان الموسى

الحياةنيوز-يعد الحديث عن سليمان الموسى حديث عن أحد الرجالات الأردنيين الأعلام الذين أخذوا على عاتقهم دراسة التاريخ الحديث والمعاصر وأمضوا الكثير من الوقت وبذلوا الكثير من الجهد في البحث عن المعلومة التي تحسب للوطن ولتاريخه وأمجاده ويعد الموسى أول مؤرخ أردني يكتب عن الحكومات المحلية وكان رائداً من رواد الكتابة في مجال التاريخ معملاً لفكره وعقله في كتاباته. ناذراً قلمه من أجل وطنه وأمته إلى أن تبوأ مكانة مميزة في مصاف المؤرخين والباحثين.

ولد سليمان الموسىفي قرية الرفيد إلى الشمال من مدينة إربد وذلك سنة 1920 في أسرة ريفية متوسطة الحال ، وكان والده مولعاً بالمطالعة وكان ينفق ماله لكي يستعير الكتب من أي جهة تتيسر له حتى يستمتع بقراءة الكتب وقد ورث سليمان عن والده مجموعة صغيرة من الكتب كانت بداية لتولعه بالقراءة والمطالعة ، وكان مغرماً بقراءة الروايات والقصص الشعبية والشعر.

وحاله حال أطفال القرية الآخرين فقد ذهب لكتّاب لتلقي دراسته على يد شيخ القرية ثم تابع دراسته في مدرسة الطوائف المدارس الأهلية بعدها انتقل إلى مدرسة الحصن وهناك أنهى الابتدائية ثم عين مدرساً في مدرسة القرية لمدة سنتين ، ثم انتقل بعد ذلك إلى مدينة يافا وكانت وقتها مدينة الثقافة والصحافة ، حيث كانت هناك تصدر المجلات والصحف والكتب وقد نشر عدداً من المقالات والقصص في جريدة فلسطين وفي مجلة الفجر.

وهناك تحول سليمان الموسى من كتابة القصص والروايات إلى كتابة سيرة الحياة والتاريخ من خلال تأليفه لكتاب (الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى) وفي ذلك يقول سليمان الموسى: لا أدري كيف تحولت من كتابة القصة والرواية إلى كتابة التاريخ وسيرة الحياة يبدو لي أن العلاقة بينهما وثيقة جداً لأن التاريخ وسيرة الحياة ليست سوى قصة أناس حقيقيين عاشوا وتركوا أثراً في المحط الذي عاشوا فيه.
وكان المؤرخ سليمان الموسى على معرفة واطلاع كبير باللغة الإنجليزية وآدابها فخلال أيام الحرب العالمية الثانية أتيح له مجال واسع للمطالعة فقد قرأ لشكسبير ووالتر سكوت وبرناردشو وهربرت ج ويلز وماري كورديللي وتولستوي وسومرست هوم وهمنجواي وغيرهم وقد أتاح له اطلاعه على اللغة الإنجليزية التعرف على تيارات الثقافة العالمية قديمها وحديثها.

وفي عام 1957 انتقل سليمان الموسى إلى عمان ليعمل موظفاً في الإذاعة ولكنه أدرك أن العمل في الإذاعة لن يتيح له المجال للكتابة بعد ذلك رحب بالعرض الذي كان قد قدم له وهو أن انتقل إلى دائرة المطبوعات والنشر لكي يعمل في تجهيز مجلة “رسالة الأردن” ثم نقل إلى وزارة الإعلام ليعمل مستشاراً ثقافياً وانتقل عام 1979 إلى وزارة الثقافة والشباب ليعمل في المنصب نفسه.

وكان للمؤرخ الكبير سليمان الموسى كماً ضخماً من المؤلفات المهمة التي بقيت شاهداً على العصر ، فقد ألف كتاب “تاريخ الأردن في القرن العشرين” وذلك بالاشتراك مع منيب الماضي وقد بدأ بجمع وتوثيق تاريخ الأردن وكان الدافع لتأليف هذه الكتاب هو شعوره بالنقص الشديد في مصادر المعلومات بالنسبة للأردن وأصبح هذا الكتاب مرجعاً مهماً أفاد من كثير من المؤلفين والباحثين والدارسين من العرب والأجانب الذين كتبوا عن الأردن وتاريخه ويتناول الكتاب تاريخ الأردن من أواخر العهد العثماني حتى سنة ,1959

ويضيف المرحوم سليمان الموسى قائلاً: لقد قمت بتأليف كتاب “لورنس العرب” كردة فعل على اسطورة لورنس العرب الذي كان ضابطاً بريطانياَ اشترك في عمليات الثورة العربية عضواً في البعثة العسكرية البريطانية ولكنه كان موهوباً فكتب كتاباً شهيراً بعنوان “أعمدة الحكمة السبعة” والذي يعتبر من روائع الأدب الإنجليزي. وكان لورنس موهوباً في فن الدعاية فعمل على تضخيم دوره في الثورة وجاء مؤلفون إنجليز وأمريكان فصوروه بصورة القائد والبطل وزعموا أنه تولى قيادة العرب في ميدان القتال وانتشرت تلك الأسطورة وذاعت على حساب العرب ولم يتصدى أحد من العرب لذلك. فقمت بدوري بالاطلاع على المؤلفات العربية والغربية الكافية عن لورنس واعتزمت أن أسد النقص الفادح غيرة مني على قومي وتاريخهم وجهادهم وعمدت إلى جمع المصادر العربية وقمت بأسفار واتصالات حتى استوفيت الموضوع وكتبت كتابي ونشرته ولكني رأيت أن كتابي سيبقى كصرخة في وادْ إذا بقي في النطاق المحلي العربي المحدود وأني إذا أردت أن أسمع صوتي لمن يجب أن يسمعوه عليّ أن أسعى إلى ترجمته.

وهكذا تولى يومها الدكتور البرت بطرس ترجمته إلى ألإنكليزية وكان من حسن الحظ أن دار أكسفورد للنشر اللندنية وافقت على نشره بالإنجليزية. وقد قوبل الكتاب باهتمام كبير من قبل الصحافة في جميع الأقطار الناطقة بالإنجليزية وقد طبع طبعة ثالثة بالإنجليزية في أمريكا ثم قامت دار سندباد في باريس بترجمته إلى الفرنسية ونشرته عام 1973 كما ترجم إلى اللغة الألمانية بالإضافة إلى ذلك قام سليمان الموسى بكتابة سير حياة أشخاص أردنيين وعرب كان لهم دور كبير في صنع حرية العرب منهم عودة أبو تايه ، وأحمد مريود ، وفؤاد سليم ، والشريف ناصر بن علي ، وصبحي العمري ، وظاهر العمر الزبداني ، ومحمد علي بدير ، ووصفي التل وغيرهم.

وقد قام مؤرخنا العظيم بجمع وتوثيق المراسلات التاريخية والتي تضم وثائق مستقاة من مصاردها الأصلية سواء أكانت عربية أم أجنبية وتعد مرجعاً لأي باحث أو إداري وتعطي صورة واضحة لمجرى الأحداث السياسية التي ساهمت في قيام الثورة العربية الكبرى. وما حدث أيام الحرب العالمية الأولى وغيرها الكثير.

ويضيف قائلاً: أما كتابي “صفحات مطوية” ، فيتحدث عن المفاوضات والمعاهدة بين الشريف حسين وبريطانيا ويقدم تفاصيلاً للمراسلات والمباحثات التي دارت حول وعد بريطانيا للعرب ، ومطالبة الشريف الحسين بتنفيذها ، كما يضم نصوص مشاريع المعاهدات بين الفلسطينيين والأردنيين.

وكتاب “وجوه وملامح” فقد ضم فصولاً عن رجالات كان لهم دور سياسي وثقافي وفكري هام مثل علي خلقي الشرايري ، وعوني عبدالهادي ، ومحمد الشريقي ، وفايز الغصين ، وعارف العارف ، ومحب الدين الخطيب ، ويعقوب العودات ، وإسكندر الخوري البجالي.

وقد ألف وترجم عدداً من الكتب المتعلقة بالسير الذاتية والتاريخ والتوثيق.

ويتابع قائلاً: لقد عملت خلال وظيفتي في وزارة الإعلام والمطبوعات والنشر وكمستشار العديد من الأعمال حيث توليت تحرير مجلة “رسالة الأردن” لحوالي خمس سنوات وكتبت فيها عدة أبحاث ، كما توليت تحرير مجلة أفكار التي تصدر عن وزارة الثقافة كما توليت مسؤولية إصدار الكتاب السنوي الرسمي وتحرير مجلدات وثائقية عن الأردن إضافة إلى أنني توليت الإشراف على كتاب “تراجم الشخصيات الأردنية”.

وهناك الكثير من المؤلفات الأخرى وقد وصف مؤلفاته بأنها من النوع النفيس ولا مجال للاستغناء عنها وقد راعى في تأليفه لكتبه دقة البحث والاستقصاء والمقارنة والقياس والاستنتاج الذي هو حصيلة التدقيق والتحقيق.

ناهيك عن ذلك فقد أمضى سليمان الموسى السنوات الكثيرة وهو يجمع الوثائق ويقرأ الوقائع في الكتب والمذكرات والصحف والملفات العربية والإنجليزية والأمريكية ويناقش الوقائع من خلال مقابلاته مع السياسيين والعسكريين الذين عاشوا تلك الفترة.

يسجل للمؤرخ الراحل سليمان الموسى بأنه من العصاميين القلائل في بلدنا الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية تعليم أنفسهم بأنفسهم فهو لم يتعلم في جامعة أو معهد وبالرغم من ذلك فقد ألف مؤلفات ومراجع لا يمكن الاستغناء عنها.

وظهر لدى سليمان الموسى الأسلوب الجميل في كتابة التاريخ بحيث يجعل القارئ يستمر في قراءة مؤلفاته وكأنما يقرأ قصة تاريخية. لقد أثرى الجوانب المضيئة من تاريخ الأردن الحديث.

ويسجل له أيضاً بأنه علم ثقافي كبير أغنى الثقافة العربية بالمؤلفات المهمة التي دارت حول التأريخ للأردن منذ بدايات قيام الدولة بمنتهى المصداقية وبصماته واضحة في إنارة الطريق للأجيال القادمة.

وقد كُرم من جلالة الملك الحسين عام 1971 فمنحه وسام الاستقلال من الدرجة الثانية ، وجاء هذا التكريم “تقديراً لجهود كاتب أردني تميزت مؤلفاته بالدقة والأصالة” وفي الأيام الأخيرة من حياته قررت جريدة الدستور المتألقة دائماً تكريم المؤرخ سليمان الموسى إلا أن القدر حال دون حضوره حفل التكريم بيوم واحد ، وكان شعار المؤرخ الراحل: اعمل بإخلاص وتفان وأعط أحسن ما لديك دون الالتفات للترهات.

وهكذا فقد أغنى الراحل العظيم سليمان الموسى المكتبة العربية بسلسلة من الكتب التاريخية والدراسات والرحلات والسير الشخصية التي تناولت مختلف جوانب الحياة الأردنية.

تابعنا على نبض

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى